مجموع الفتاوي (صفحة 3935)

جوابان عمن قال: إنه لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وقد قضى عليه السيئات؟

ما في قوله تعالى: " فمن نفسك " من الفوائد

لَهُ وَقَدْ قَضَى عَلَيْهِ السَّيِّئَاتِ وَعَنْهُ جَوَابَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَلَكِنَّ مَا يُصِيبُهُ مِنْ النِّعَمِ وَالْمَصَائِبِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ} إلَخْ. وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ فَلَا إشْكَالَ.

وَالثَّانِي: إنْ قُدِّرَ دُخُولُهَا؛ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ الْمُؤْمِنُ} فَإِذَا قُضِيَ لَهُ بِأَنْ يُحْسِنَ فَهُوَ مِمَّا يَسُرُّهُ؛ فَإِذَا قُضِيَ لَهُ يُسِيئُهُ فَهُوَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ إذَا لَمْ يَتُبْ؛ فَإِنْ تَابَ أُبْدِلَتْ حَسَنَةً فَيَشْكُرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ اُبْتُلِيَ بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُهَا فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ وَهُوَ قَالَ: لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ؛ [وَالْمُؤْمِنُ الْمُطْلَقُ هُوَ الَّذِي لَا يَضُرُّهُ الذَّنْبُ] (*) ؛ بَلْ يَتُوبُ مِنْهُ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثَارٍ {إنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، يَعْمَلُهُ فَلَا يَزَالُ يَتُوبُ مِنْهُ حَتَّى يَدْخُلَ بِتَوْبَتِهِ مِنْهُ الْجَنَّةَ} وَالذَّنْبُ يُوجِبُ ذُلَّ الْعَبْدِ وَخُضُوعَهُ وَاسْتِغْفَارَهُ وَشُهُودَهُ لِفَقْرِهِ، وَفَاقَتِهِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ.

وَفِي قَوْلِهِ: {فَمِنْ نَفْسِكَ} مِنْ الْفَوَائِدِ: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَطْمَئِنُّ إلَى نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَجِيءُ إلَّا مِنْهَا؛ وَلَا يَشْتَغِلُ بِمَلَامِ النَّاسِ وَذَمِّهِمْ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ إلَى الذُّنُوبِ فَيَتُوبُ مِنْهَا وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَسَيِّئَاتِ عَمَلِهِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ؛ فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ الْخَيْرُ وَيُدْفَعُ عَنْهُ الشَّرُّ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَنْفَعُ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015