المسألة الأولى:
الكهانة والكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار (?) .
فكان الناس في الجاهلية يتعقدون أن الأمراض تحدث بسبب غضب الآلهة عليهم أو بسبب سيطرة الأرواح الشريرة عليهم، فكانوا يستعينون بمن لهم القربة من الآلهة أو لهم القدرة على طرد تلك الأرواح وهم الكهنة، وقال القرطبي: ( ... وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم) (?) .
ولما جاء الإسلام (جرد علم الطب من خرافاته وتعاويذه وسحرته وكهنته) (?) .
وجاءت آيات القرآن مقوية لإرادته مطمئنة لقلبه، دون أن نجد فيه ألفاظًا سحرية أو آيات تشير إلى اللجوء إلى التعزيمات وأقوال الكهنة لدفع الأمراض، وإنما بين لنا أن العلاج بالدواء لا بالكهان والمعزمين قال في وصف العسل: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} (?) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء)) . وبينت السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتطبب، ويسأل عن أعلم الأطباء وأفضلهم، وشرع صلى الله عليه وسلم التداوي واستعمله في نفسه وأمر به غيره.
وهكذا ميز الإسلام بين الطب وبين الدجل الذي يدعيه بعض المشعوذين لاستدرار أموال الناس بالباطل (?) .
فمنع الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الطرق ومنها الكهانة، فقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكهان فقال: ليس بشيء، فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانًا بشيء فيكون حقًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة)) (?) ، فبين لهم بطلان قولهم وأنه لا حقيقة له. كما نهاهم عن التكسب بمثل هذه الطرق حيث نهى صلى الله عليه وسلم ((عن حلوان الكاهن)) (?) بل منعهم من التعلق بالطرق الوهمية والاعتماد عليها. واعتبر ذلك كفرًا بالله تعالى، كما في حديث أبي هريرة رفعه: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) (?) . وفي رواية لمسلم بلفظ: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (?) . وهذا دليل على أن إتيان الكهنة ومن شابههم مذموم شرعًا، إذ أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإثباتهم (?) . كما قال القرطبي: (وثبت النهي عن إتيانهم فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم) (?) .