والخلاصة أنه مقابل إعطاء أهمية كبيرة لقاعدة " العرف يترك به القياس (?) في كتب الفروع فإننا يمكن أن نسجل أن العرف لم يتناول أثناء التحقيقات الأصولية، إلا في مؤلفات الأدوار الأخيرة وذلك كدليل تال فقط، فضلا عن حيازته مكانًا مستقلًا بين المصادر. ولا شك أن هذه الوضعية تمكننا من القول بوجود ثنائية (dualite) في أدب الحقوق الإسلامية من حيث تناول العرف (?) .
أما العبارات الواردة في كتب الفروع حول العرف والعادة – فبسبب عدم إخضاع مفهوم " العرف والعادة " لخطوط معينة ومحددة – كانت أحيانًا سببًا لاتخاذ فكرة غير صحيحة لتبيين وتوضيح مكانة العرف والعادة في الحقوق الإسلامية وفي الحقيقة إننا نشاهد حتى في البحوث المستقلة التي لجئ إليها من أجل بيان مكانة العرف والعادة في الفقه الإسلامي، بعض الأمور التي كان يجب تناولها في إطار القواعد اللغوية أو في المفاهيم التي تتعلق بتطبيق القانون (مثل " العدالة " (equite) وسلطة التقدير للحاكم) ، وكذلك بعض المسائل التي تدخل في إطار قانون المرافعات واردة في إطار مفهوم " العرف والعادة ".
والحال أنه إذا ألقينا نظرة في إطار أصول الفقه الإسلامي إلى مكانة العرف بخطوطه العامة نجده قد شكل مادة أساسية للأحكام الاجتهادية، ولكنه مع ذلك لم يتمكن قط من الارتفاع إلى درجة المصدر الشكلي (source formelle) وبعبارة أخرى، على الرغم من رجحان تأثير العرف على المجتهد في استنباط الحكم بعد الكتاب والسنة والإجماع النقلي في المسألة التي يوجد فيها العرف إلا أنه لم يأخذ مكانته بين المصادر الشكلية وكذلك بين سلسلة المراتب للأدلة الشرعية، وإنما لعب دوره في تثبيت الحكم بواسطة مفاهيم أخرى وبخاصة منها الاستحسان والاستصلاح (?) وسنقف عند أسباب هذه الحالة في الباب الثاني من هذا البحث.