عندما نلقي نظرة عامة إلى الخطوط العامة لمبادئ المذاهب الاجتهادية يمكن أن نتوقع كنتيجة طبيعية أخذ العرف مكانًا متميزًا وخاصا في الفقه الحنفي، ومع ذلك فإننا لا نكاد نشاهد حتى في كتب أصول الفقه الحنفية خطوات جريئة لبيان موقف واضح وصريح تجاه العرف والعادة ويمكن أن نشير كمثال لذلك التردد الذي نجده عند الجصاص (م. سنة 370 /980) إزاء العرف في كتابه الذي يعتبر كأول كتاب وصل إلينا في ميدان علم أصول الفقه من بين الكتب الحنفية (?) : نراه عندما يعرف الاستحسان في هذا الكتاب – عارضًا الاستحسان بشكليه – يبين إمكانية تحقق الشكل الثاني) تخصيص الحكم مع وجود (العلة بواحد من أسباب خمسة ومنها " عمل الناس "، ولكنه مع ذلك لا يجعل عمل الناس سببًا مستقلًا للاستحسان أثناء تفريقه أقسام الاستحسان عن بعضها البعض كل على حدة وإن كان لا يهمل دور عمل الناس عند إيراده أمثلة لكل من أقسام الاستحسان (?) أما الأصوليون الذين جاؤوا من بعده، فنراهم لا يستسيغون جعل نمط خاص للاستحسان بسبب العرف (?) ، إزاء هذا التحاشي الملحوظ في كتب أصول الفقه، فإننا نشاهد بكل سهولة توضيحات متعددة في كتب الفروع حول تحقق الاستحسان بسبب العرف (?) حتى أنَّ المؤلف نفسه في الوقت الذي يجعل العرف سببًا للاستحسان في كتابه المتعلق بالفروع يحتزر عن ذكر ذلك في كتابه الخاص بعلم أصول الفقه (?) وإلى جانب ذلك، يجدر بنا أن نلفت النظر إلى أننا لا نكاد نعثر على عناوين مستقلة في كتب علم الأصول لتناول العرف سواء بصفة إيجابية أو سلبية بينما نجد عناوين سلبية لبعض الأدلة الأخرى التي اختلف في اعتبارها الأصوليون مثل الاستحسان والاستصلاح (?) .