ثم قال:

والرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وهو تسعون مثقالا، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، هكذا كان قديمًا. ثم إنهم زادوا فيه مثقالا فجعلوه إحدى وتسعين مثقالا وكمل به مائة وثلاثون درهمًا، وقصدوا بهذه الزيادة إزالة كسر الدرهم والعمل على الأول لأنه الذي كان موجودًا وقت تقدير العلماء للمد به فيكون المد عندئذ مائة درهم وإحدى وسبعين درهمًا وثلاثة أسباع الدرهم، وذلك بالرطل الدمشقي الذي وزنه ست مائة درهم ثلاثة أواق وثلاثة أسباع أوقية والصاع أربعة أمداد فيكون رطلا وأوقية وخمسة أسباع أوقية، وإن شئت قلت: هو رطل وسبع رطل.

وليس الحنابلة ببدع من أمرهم في تقدير الكيل بالوزن تقديرًا يعتمد بداهة على أن مقدار الدرهم والدينار والمثقال والأوقية والرطل وما إلى ذلك كان متعارفًا لديهم تعارفًا لم يكن بحاجة إلى تنصيص عليه، ومعنى ذلك أن أنصبة الزكاة منضبطة بمقادير معينة وليست متأرجحة - كما ذهب ابن تيمية رحمه الله - فيما نقلناه عنه آنفًا " ولكل جواد كبوة "، وكما ذهب ممن شذ غيره عن الجمهور.

ولو أننا واكبنا هؤلاء في اعتبار عدم انضباط وزن الدينار والدرهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبفعل مسنون منه لوقعنا في فوضى لا حدود لها، فلو أن بلدًا سك دينارًا أو درهمًا بدانق أو قيراط أو حبة لأصبح نصاب الزكاة بزعمهم ما مثاله مائتا دانق أو قيراط أو حبة من الفضة أو عشرين منها من الذهب وهذا لا يقول به عاقل، والقول بأن الدنانير والدراهم الصغار إذا تواضع عليها أهل بلد يعتبر فيها العدد وحده في النصاب كما أن الكبار يعتبر فيها العدد وحده يؤدي إلى إلغاء جميع الأحكام المرتكزة على اعتبار الوزن في العقول والحدود والأنكحة والمعاملات، وبذلك ينهار جانب كبير من الفقه وتضطرب أحكام شتى من أحكام الشرع، وما من أحد يسيغ ذلك.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015