يقال له سمير، نسبت الدراهم إذ ذاك إليه، وقيل لها: الدراهم السميرية.
وبعث عبد الملك بالسكة إلى الحجاج، فسيرها الحجاج إلى الآفاق لتضرب الدراهم بها، وتقدم إلى الأمصار كلها أن يكتب إليه منها في كل شهر بما يجتمع قبلهم من المال كي يحصيه عنده، وأن تضرب الدراهم في الآفاق على السكة الإسلامية وتحمل إليه أولا فأولا. وقدر في كل مائة درهم درهمًا عن ثمن الخطب وأجر الضرائب. ونقش على أحد وجهي الدرهم "قل هو الله أحد"، وعلى الآخر " لا إله إلا الله" وطوق الدرهم على وجهيه بطوق، وكتب في الطوق الواحد "ضرب هذا الدرهم بمدينة كذا"، وفي الطوق الآخر (محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) . وقيل: الذي نقش فيها: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} هو الحجاج.
وكان الذي دعا عبد الملك إلى ذلك أنه نظر للأمة وقال: هذه الدراهم السود الوافية والطبرية العتق تبقى مع الدهر، وقد جاء في الزكاة أن في كل مائتين وفي كل خمس أواق خمسة دراهم، واتفق أن يجعلها كلها على مثال السود العظام مائتي عدد يكون قد نقص من الزكاة وإن عملها كلها على مثال الطبرية - ويحمل المعنى على أنها إذا بلغت مائتي عدد وجبت الزكاة فيها - فإن فيه حيفًا وشططًا على أرباب الأموال، فاتخذ منزلةً بين منزلتين يجمع فيها كمال للزكاة من غير بخس ولا إضرار بالناس، مع موافقة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده من ذلك، وكان الناس قبل عبد الملك يؤتون زكاة أموالهم شطرين من الكبار والصغار، فلما اجتمعوا مع عبد الملك على ما عزم عليه عهد إلى درهم وافٍ وزنه، فإذا هو ثمانية دوانيق، وإلى درهم من الصغار، فإذا هو أربعة دوانيق فجمعها وكمل زيادة الأكبر على نقص الأصغر وجعلهما درهمين متساويين زنة كل منهما ستة دوانيق سوى، واعتبر المثقال أيضًا، فإذا هو لم يبرج في آباد الدهر موفى محدودًا كل عشرة دراهم منها ستة دوانيق فإنها سبعة مثاقيل سوى، فأقر ذلك وأمضاه من غير أن يعرض لتغييره، فكان فيما صنع عبد الملك في الدراهم ثلاث فضائل، الأولى: أن كل سبعة مثاقيل زنة عشرة دراهم، والثانية: أنه عدل بين صغارها وكبارها حتى اعتدلت وصار الدرهم ستة دوانيق، والثالثة: أنه موافق لما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في فريضة الزكاة من غير وكس ولا شطط فخصت بذلك السنة واجتمعت عليها الأمة.
وضبط هذا الدرهم الشرعي المجمع عليه أنه - كما مر - زنة العشرة منه سبعة مثاقيل، وزنة الدرهم الواحد خمسون حبة وخمسًا حبة من الشعير الذي تقدم ذكره، ومن هذا الدرهم تركب الرطل والقدح، والصاع وما فوقه، وإنما جعلت العشرة من الدراهم الفضة بوزن سبعة مثاقيل من الذهب، لأن الذهب أوزن من الفضة وأثقل، فأخذت حبة فضة وحبة ذهب ووزنتا فرجحت حبة الذهب على حبة الفضة ثلاثة أسباع فجعل من أجل ذلك كل عشرة دراهم زنة سبعة مثاقيل، فإن ثلاثة أسباع الدرهم إذا أضيفت عليه بلغت مثقالا، والمثقال إذا نقص منه ثلاثة أعشار بقى درهمًا، وكل عشرة مثاقيل تزن أربعة عشر درهمًا وسبعًا درهم، فلما ركب الرطل جعل الدرهم منه ستين حبة، لكن كل عشرة دراهم تعدل زنة سبعة مثاقيل فتكون زنة الحبة سبعين حبة من حب الخردل، ومن ذلك تركب الدرهم فركب الرطل ومن الرطل تركب المد ومن المد تركب الصاع وما فوقه، وفي ذلك طرق حسابية مبرهنة بأشكال هندسية ليس هذا موضعها، وكان مما ضرب الحجاج الدراهم البيض ونقش عليها "قل هو الله أحد"، فقال القراء: قاتل الله الحجاج، أي شيء صنع للناس الآن بأخذه الجنب والحائض فكره ناس من القراء مسها وهم على غير طهارة، وقيل لها: المكروهة فعرفت بذلك.