قلصت أعمال المقايضة المرهقة المتعبة وقضت على التعامل بالوزن في تقدير الأثمان، أعني التعامل بوزن الذهب والفضة في تقدير قيم الأشياء بأن يعطي إنسان إنسانًا قيراطًا من ذهب أو نصف مثقال أو مثقالًا مقابل سلعة تم التساوم على سعرها أو وزن مثقال من فضة أو أقل من ذلك أو أكثر في مقابل سلعة يريدها المشتري وهو نظام سبق نظام النقد الذي ولدت منه فكرة العملة وهو نظام متقدم بالنسبة إلى نظم المقايضة التي سبقته قلص من صعوباتها كثيرًا وأراح التاجر في التعامل حتى وردت فكرة سك العملة فقلصت منه ومن تعقيداته لسهولة التعامل بالعملة ولاكتسابها صفة رسمية وسعرًا ثابتًا مقررًا ووزنًا معينًا حددته الحكومات.
(3) نشأة النقد وتطوره
من أقدم ما عرف الإنسان من ألوان النقد المسكوكات "الليدية" وقد لا تكون أقدمها، بيد أنها في تقديرنا من أبعدها أثرًا في رسم مسار نشأة النقد وتطوره في الشرق الأوسط، وعن هذه المسكوكات يقول ديورانت (قصة الحضارة: 2/306) :
(وامتاز "كروسس" - أحد ملوك ليديا - عن غيره من الملوك بسك نقود ذهبية وفضية ذات شل بديع تضربها الدولة وتضمن قيمتها الاسمية، وليست هذه أول المسكوكات الرسمية التاريخية كما اعتقد المؤرخون زمنًا طويلًا، وليست هي - بلا جدال - بداية اختراع المسكوكات ولكنها مع هذا كانت مثالًا يحتذى، ساعد انتشار التجارة في بلاد البحر الأبيض المتوسط، لقد ظل الناس قرونًا طوالًا يستخدمون معادن مختلفة لتقدير قيم البضائع وتسهيل تبادلها، ولكنها - سواء كانت من النحاس أو البرونز أو الحديد أو الفضة أو الذهب - كانت في أغلب البلاد تقدر قيمتها في كل عمل تجاري حسب وزنها أو حسب غيره من الاعتبارات، لهذا كان استبدال عملة قومية معترف بها رسميًّا بهذه الوسائل المتبعة إصلاحًا عظيمَ القيمة في علم التجارة فقد يسرت هذه الوسيلة الجديدة انتقال السلع ممن يحسنون إنتاجها إلى من هم في أشد الحاجة إليها فزاد ذلك في ثروة العالم ومهد السبيل لقيام المدنيات التجارية كمدنية الأيونيين واليونان حيث استخدمت الثورة التي جاءت من طريق التجارة لتمويل الأعمال الأدبية والفنية) .