(2) بين يدي البحث
التشريع الإلهي - كما يدل الاستقراء لأطواره وأحكامه - ليس "ابتداعًا" لحياة يقسر عليها الإنسان قسرًا وإنما هو "تكييف " بالتنظيم والتمحيص طبقًا لمقتضيات العدل والمصلحة العامة والخاصة للحياة البشرية الطبيعية التي درج عليها الإنسان منذ كينونته الأولى في الأرض، إذ أن قسر الإنسان على حياة لم يعرفها ولا ألف نمطها يعني اضطراره إلى الحرج والعسر وجوهر مناط التشريع إنما هو التيسير ونفي الحرج، وهما قاعدة العدل وهدفه، وقد لا يتجلى هذا المعنى فيما هو من العبادات إلا بتدبر عميق في جوهرها لا في طقوسها وشعائرها، بيد أنه جلي واضح أبدع ما يكون الجلاء والوضوح فيما هو من المعاملات وما هو مؤتلف من المعاملات والعبادات كالزكاة والحج.
وهذه الحقيقة من الجلاء والوضوح بحيث لا نشعر معها وفيها بحاجة إلى الاستدلال لها، فهي جوهر جميع ما يتألف منه التشريع من قواعد وأحكام ومنها ما يتصل بالنقد: تطوره وأحكامه وأحواله المختلفة.
وقد تعددت أوجه الرأي والتصور لدى المؤرخين والفقهاء ورواة الآثار فيما يتعلق بالأسباب والأحكام المصاحبة والضابطة لأطوار النقد في الأمة الإسلامية منذ نشأتها، ومرد هذا التعدد إلى أن طائفة منهم لم تجتمع لها العناصر الضرورية لاجتلاء مراحل النقد وتطوره وكانت معارفهم مشوشة لهذه المراحل، والأطوار قبل الإسلام فجاء رواياتهم وتصوراتهم لنشأة النقد الإسلامي ومصاحبته والأحكام التي يجب استنباطها من ذلك مضطربة متضاربة تبعًا لهذا التشويش.
وطائفة أخرى - وهم جمهرة الفقهاء والمتفقهة - قصرت همها على محاولة استجلاء الحكم لما يعرض لها من واقع أو يتخيل من افتراضات واحتمالات من النصوص الواردة في الروايات المشوشة المشار إليها آنفًا عن ظهور النقد في الأمة الإسلامية ومصاحباته وأطواره.
على حين أن الأمة الإسلامية لم تكن بدعًا من الأمم ولا بمعزل عنها رغم أن "المسافة" كانت في معظم العصور الإسلامية تتحكم في تكييف العلاقات بين الأمم والشعوب.
ذلك بأن "الوسطية" الجغرافية لمهد الأمة الإسلامية " شبه الجزيرة العربية " جعلت نشأة الأمة الإسلامية استمرارًا حضاريا متمادى العروق عريقها تعمق أصوله وتترامى إلى عصور موغلة في القدم وأقطار شديدة التباين ما بين شرقية وغربية، ونتيجة لذلك كان التشريع الإسلامي إنما هو تكييف وضبط بالتمحيص والتقويم والتوجيه لطور متقدم من الحضارة الإنسانية كافة.
والنقض ظاهرة حضارية لا تقل تأثيرًا في تكييف مسيرة الإنسان الحضارية عن أروع ما نشهده اليوم من المخترعات التي تتراءى لنا كما لو كانت بدعًا من اهتداء العبقريات الخارقة للعادة إلى ما لم يكن ممكنا تصوره بأبعد خيال وأنزعه في الإغراق والإغراب.
فلولاه ما استيسرت التجارة للإنسان وأمكن تبادل المنتجات الطبيعية والمصنوعة التي تتمايز بها الأمم والشعوب لما هيأت الطبيعة لكل واحدة منها، وقد أبدع الدكتور جواد علي وأجاد في التعبير عن هذا الواقع أو هذه الحقيقة إذ قال (في المفصل في تاريخ العرب ما قبل الإسلام: 7/488) :
والعملة تطور خطير من التطورات التي أثرت في الحياة الاقتصادية للبشر، أحدث اختراعها انقلابًا كبيرًا في النظم الاقتصادية والاجتماعية ويعد إيجادها من المخترعات الكبرى التي لعبت دورًا خطيرًا في حياة الإنسان ولا تزال تلعبه.