وهذا ما تنبه له بعض المتأخرين كابن سيده في (المحكم) فنهج نهجاً يعدّ أدق منهج التزمته المعاجم اللغويّة القديمة على الرغم من أنّ ابن سيده لم يف بهذا المنهج وفاءً تاماً لكنه حاول أن يرتب الكلمات ترتيباً داخلياً مقبولاً كتقديم المجرد على المزيد والفعل على الاسم ومثل ذلك فعل الفيروزآبادي في (القاموس) حيث فصل معاني كل صيغة عن الأخرى وقدّم الصيغ المجردة على المزيدة، وأخّر الأعلام، مما عده أحد الباحثين (63) ميزة تميزه عن سائر المعاجم العربية فتخلص بذلك من الاضطراب الذي كان يرغم الباحث على قراءة المادة كلِّها؛ كي يحصل على معاني الصيغة التي يريدها،ولكنه مع هذا لم يسلم من النقد فقد خصص صاحب (الجاسوس على القاموس) باباً من أبواب نقده للترتيب الداخليّ لدى صاحب (القاموس) إذ يقول فيه: ((ومن خلله أنّه لا يذكر المشتقات باطّراد وترتيب، فيخلط الأفعال بالأسماء، والأصول بالمزيدات، والأولى تميّز بعضها من بعض، وربما ذكر في أول المادة أحد معاني اللفظة ثم ذكر باقيها في آخرها ... )) (64) وهو نقد لا ينفرد به (القاموس) وحده بل تشترك فيه سائر معاجم الألفاظ الأخرى، ولعل عذر القدماء في ذلك هو أنّ اللغة العربية لغة اشتقاقية، وعلى ضوء ذلك كان همهم وتنافسهم - كما رأينا - منصباً على الترتيب الخارجيّ للمداخل، فبرعوا في التنافس فيه فتعددت طرقه ومدارسه.
وهذا ما دفع أصحاب المعاجم الحديثة إلى معالجة هذا الخلل، بوضع ضوابط للترتيب الداخليّ؛ من أبرزها المنهج الذي نهجته لجنة تأليف (المعجم الوسيط) والذي تمّ بمقتضاه ترتيب المواد المعجميّة على النحو التالي: 1- تقديم الأفعال على الأسماء.
2- تقديم المجرّد على المزيد من الأفعال، أما الأسماء فقد رتبت ترتيباً هجائياً.
3- تقديم ما يدل على المعنى الحسيّ على ما يدل على المعنى العقليّ، والحقيقيّ على المجازيّ.
4- تقديم الفعل اللازم على الفعل المتعدي. (65)