ويلاحظ المتتبع لمراحل تكوين العقائد النصرانية كثرةعقد المجامع الدينية التي تصدر قرارات جديدة بإضافات حول العقيدة، وسبب ذلك كثرة المعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد، أو من الذين ما زالوا على بقايا من دعوة المسيح، أو من الذين لم يعتقدوا هذه العقيدة أو تلك، فمنهم من ينكر لاهوت المسيح، ومنهم من ينكر لاهوت الروح القدس، ومنهم من ينكر وجود الأقانيم الثلاثة، ومنهم من ينكر عقيدة الصلب والفداء، ويعتقد أن خطيئة آدم قاصرة عليه، ولم تنتقل إلى نسله، وهذه الظاهرة هي السبب في تعدد عقد المجامع، لأن أنصار كل فريق يعقدون اجتماعاً للرد على أنصار الفريق الآخر وإبطال قوله، والنتيجة تنتهي ليس بكثرة العدد وقوة الحجة وموافقة الحق، وإنما بقرار من رجال الدين الذين تدعمهم السلطة السياسية، بما تتفق أهواؤهم ومصالحهم عليه، ثم يحسم الأمر ويتقرر في النهاية أي الفريقين يفوز بالتأييد، وفي كثير من الأحيان تتدخل السلطة السياسية بحسم الأمر حسب ماتراه محققاً لوحدة الا مبراطورية من التمرزق والانقسام.

وشاهد ذلك أن الامبراطور قسطنطين قد أعلن ميوله وعطفه على النصارى من أجل الحفاظ على مقومات النصر على خصمه، فأعلن دفاعه عن مذهب أثناسيوس القائل بالتثليث حينما كانت عاصمة دولته في روما، ومن أجل ذلك رأس مجمع نيقية سنة 325م، وتذكر مصادر النصارى أن أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر لم يكونوا مجمعين على القول بألوهية المسيح، ولكن اجماعهم كان تحت سلطان الإغراء بالسلطة الذي قام به قسطنطين بدفعه إليهم شارة ملكه ليتحكموا في المملكة، فقد دفعهم حب السلطان إلى أن يوافقوا هوى قسطنطين الذي ظهر في عقد مجلس خاص بهم دون الباقين، لاعتقاده إمكان إغرائهم، فأمضى أولئك ذلك القرار تحت سلطان الترغيب أو الترهيب، أوهما معاً، وبذلك قرروا ألوهية المسيح، وقسروا الناس عليه بقوة السيف ورهبة الحكام (89) .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015