وفي ختام هذه المقارنة لنا أن نقرر ما يلي: إن جوهر الفرق بين نجاح الإسلام وإخفاق ما عداه في القضاء على داء الخمر هو راجع لما تتمتع به عقيدة الإسلام وحدها من غرس الوازع الذاتي في النفوس ومن ثم فهي لا تحتاج إلى جهاد معنوي أو مادي في منع شئ محرم أو نهي عن إقتراف إثم، وهذا بخلاف القوانين المعتمدة على الوازع الخارجي الأمر الذي يتبين للباحث في ضوئه لماذا تتصف الثقافة الإسلامية وحدها بالأصالة والرسوخ والعمق.
الأساس الثالث: عالمية دعوة الثقافة الإسلامية:
تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة والرسوخ لأنها نابعة من الدين الإسلامي صاحب الدعوة العالمية.. إن الدعوة الإسلامية هي كلمة السماء الخاتمة، نبيها هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وكتابها هو المُصدَّق والمتمم لما قبله من الكتب السماوية، والمهيمن عليها في الوقت نفسه وهذا أهم ما يتفرد به الدين الإسلامي من بين سائر الأديان.
إن أكبر الأديان السماوية السابقة في الوجود على الدين الخاتم هما الدينان اللذين جاء بهما موسى وعيسى تتسم شريعة كل منهما بالخصوص لا بالعموم وبالتوقيت لا بالتأييد، وبالقومية لا بالعالمية.
فاليهودية في بداية عهدها عصر النبي موسى عليه السلام دين خاص أرسل به الكليم إلى فرعون الطاغية وملئه المستكبرين لدعوته إلى عبادة الله رب العالمين وحده وترك العظمة التي كان يدعيها ذلك الطاغية وتقبلها حاشيته المستكبرة المُغررة.
أيضاً أرسل موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل ليُخلص أجسامهم من ذل العبودية للحاكم الطاغية فتنعم بذل العبودية لله تعالى وحده كما يُخلص ويحرر وجدانهم من الوثنية الشائعة آنذاك، ليغرس في نفوسهم عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى.
واليهودية في بداية عهدها أيضاً هي صاحبة التوراة الصحيحة والتي كان العمل بأحكامها مختصاً ببني إسرائيل وحدهم لأن التوراة لم تنزل على نبيهم عليه الصلاة والسلام إلا بعد غرق فرعون وملئه (1) .