تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة والرسوخ والثبات لأنها من أبرز الثقافات التي تغرس الوازع الذاتي في النفس البشرية، ومن ثم يصبح الإنسان في كنف هذه الثقافة كائناً ذا ضمير حي وإحساس مرهف.. يراقب نفسه بنفسه ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، يقبل على الطاعات والفضائل إقبال من يتزود بخير الزاد ويبتعد عن المعاصي والرذائل ابتعاد من يريد النجاة من الهلاك.
إن الوازع الذاتي إذا تحقق داخل الإنسان صار الفرد رقيباً على نفسه يفعل الخير لذات الخير بمحض اختياره وإرادته، ويجتنب الشر لذاته دون خشية من قانون أو خوف من الوقوع تحت طائلته، وما الوازع الذاتي هذا إلا ثمرة من الثمار النابعة من الدعوة الإسلامية. وإنه لوازع تعجز اللوائح الوضعية والقوانين أن تصل إلى بعض نتائجه إذ اللوائح والقوانين المجردة تعتمد على الوازع الخارجي ومن ثم فهي عاجزة عن إلزام الإنسان بالتحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة نتيجة لعجز هذه القوانين عن الملازمة الدائمة للإنسان في مختلف الأوقات ليلاً أو نهاراً سراً أو علانية.
هذا هو شأن القوانين بمفردها، أما من شأنها حين تنبع من عقيدة صحيحة وحين تحاط بإطار دين الفطرة.. دين الإسلام.. فهو شأن يختلف تماماً عن سابقه لما يتحقق حينئذ من وازع ذاتي به يكون صلاح الفرد والمجتمع ولنضرب المثال ليتضح المقال.
فلو نظرنا في أم الكبائر.. (رذيلة الخمر) مقارنين بين مكافحتها بسلاح العقيدة وبين محاربتها بالقوانين المجردة. فسنعرف حينئذٍ الفرق.
لقد كان العرب في جاهليتهم مولعين بالخمر، شغوفين بشربها، متسابقين إلى مجالسها فلما جاء الإسلام تدرج في معالجة هذا الداء الخبيث المستحكم وكانت المرحلة الأولى في العلاج أن وضع الإسلام السكر (المخمَّر) في مقابل الرزق الحسن فكأن المخمَّر شئ غير حسن قال تعالى (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) (1) .