النديم .. زنزانة الوطن أوسع من براح المنافي!!
ضجة وأصوات مختلطة .. منزل متواضع ينتمي لبيئة فقيرة في عام 1842م .. حفلة سبوع المولود .. بكل ما تحمل من عادات شعبية .. جلاجل .. ضحكات الأطفال .. تعاليق وزينات .. يد الهون .. وبينما يبارك المدعوون للأب .. يفتل شاربه باعتزاز .. ويقول مفتخرا والسعادة تتقافز من عينيه: «نذرته للأزهر عالما وشيخا وكبيرا».
«الشيخ» عبد الله النديم هكذا أراده والده فألحقه بالكتاب ليتعلم القرآن ويحفظه ويلم بمبادئ القراءة والكتابة والحساب تمهيدا .. لإلحاقه بالأزهر .. وبالفعل نبغ عبد الله وختم القرآن ثم انكب على كتب التراث وعلم السلف ينهل منها .. لكنه لم يلتحق بالأزهر ربما لضيق ذات اليد وربما لرغبته في العمل ومساعدة والده .. وربما كان ثمة طريق آخر يداعب خياله.
.. يجلس النديم على مكتبه ويتابع حركة المراسلات الحكومية والتلغرافات المرسلة والمستقبلة .. ويتواصل بشغف واهتمام مع المراسلات الملكية والأميرية، فقد اختار النديم من بين المهن المعروضة أكثرها اتساقا مع شخصيته المرحة وروحه الفكهة .. وهي أن يعمل موظفا في التلغراف .. وطبيعة التلغراف آنذاك كانت تقتصر على المراسلات الملكية والرسمية بين الحكومة المصرية والعالم الخارجي .. مما أهل النديم أن يحتك بأكثر الطبقات المصرية آنذاك ترفا وفحشا في الثراء .. ويشاهد حياة البذخ والرفاهية التي يحياها فريق من المصريين .. ويقارن حالهم بحال أبناء طبقته.
مقهى شعبي بسيط أو صالون فخم يعج بمظاهر البذخ .. صيادون وعمال فقراء أو نبلاء وأدباء وباشوات لا فرق عند النديم، فهو يغشى كل المنتديات الفنية والأدبية بداية من المقهى الذي يأتي إليه (الأدباتية) الذين يتحدون الجميع في مباراتهم الأدبية والفنية، والتي يمكن أن تكون في وصف (عرس إسكندراني) أو (نوة البحر) و (مسابقات الشعر والمقامات) وفي الوقت الذي ينهزم فيه المحترفون كان (النديم) يصمد، بل يقهر أي عدد منهم ويأتي إليهم بغرائب ولطائف اللغة.
ورغم أن هذه المباريات الأدبية لم تحظَ باحترام كبير من أدباء تلك الفترة -أو هكذا أظهروا ربما لخوفهم من الانكسار أمام هذا الفريق المحترف- فإن النديم لم يخجل منها؛ حيث تعود أن يحترم أي عمل يثري شخصيته، أو يفيد الناس ويرتقي بهم .. ولم يؤثر ذلك على شخصيته، فقد كان في ذات الوقت يغشى الصالونات الثقافية الراقية التي يرتادها كبار الأدباء في ذلك العصر… كان يتحفهم بآرائه الفكرية ولطائفه الفنية .. ومن مآثر النديم أنه كان يقدم وجوها جديدة، ومواهب شابة سواء في نظم الشعر أو في الخطابة التي أولاها اهتماما خاصا.
المشهد الأول
النديم ينتقل إلى مصاف قادة الرأي والفكر في مصر .. فهو يصدر عددا كبيرا من المجلات والصحف أشهرها (التنكيت والتبكيت) وانطلق فيها -كما هو واضح من اسمها- من السخرية المرة إلى معالجة آفات المجتمع ومشاكله المزمنة، وفي تلك الأثناء عمل مدرسا لبعض الوقت، وكان مدرسا من طراز فريد .. أنشأ مع تلامذته فرقة مسرحية، ولم يكتف بدور المؤلف أو المخرج، وإنما شاركهم التمثيل أيضا .. ولم يحفظ التاريخ هذه النصوص المسرحية وإن كان (أحمد سمير) وهو سكرتيره الشخصي في أخريات عمره قال «إن النديم قد تناول فيها المجتمع وأظهر المساوئ الاجتماعية آنذاك مثل الانحلال الخلقي والفقر والجهل».
وكان يهاجمه البعض بأن التمثيل عمل لا قيمة له ولا فائدة من ورائه، ويتهمون الممثلين بأنهم مهرجون، لكنه كان يدافع عنهم بثقة «لا ينبغي النظر إلى الممثلين باعتبارهم مضحكين، ولكن التمثيل وسيلة لدفع الظلم والنقد السياسي»، وكان يرى أن التمثيل: «فن بديع يقوم في التهذيب وتوسيع أفكار الأمم مقام أستاذ يلقن تلامذته بما تألفه نفوسهم» .. وهكذا فإذا كان يعقوب صنوع (1838 - 1912) يعده البعض رائدا للمسرح العربي، فإن النديم بلا شك ممن تناساهم المؤرخون في هذا المجال.
المشهد الثاني
يقف صارخا في المجتمع .. وبقوة خطابته ومواهبه يقدم الزجل السياسي الرصين الذي اتخذ الفلاح موضوعا أساسيا .. منطلقا من مقولة صديقه ومعاصره جمال الدين الأفغاني:
«عجبت أيها الفلاح تشق قلب الأرض بفأسك فلِمَ لا تشق بنفس الفأس صدر ظالميك».
ومن أزجاله:
شرم برم حالي غلبان
أهل البنوك والأطيان
صاروا على الأعيان أعيان
وابن البلد ماشي عريان
ممعاه ولا حق الدخان
شرم برم حالي غلبان
ومن رسائله الأدبية .. رسالة بعنوان «عربي تفرنج» وقد تناول فيها شخصية طريفة جدا بطلا لرسالته تلك .. والرسالة تدور حول فلاح ثري جاهل أرسل ابنه (زعيط) ليتعلم في أوربا، وهو صبي جلف يحب البصل ولا يتعامل إلا مع البهائم؛ ليتباهى به وسط أعيان القرية، ولما عاد واستقبله أبوه بالأحضان دفعه (زعيط) قائلا: سبحان الله عندكم يا «مسلمين» مسألة الحضن دي قبيحة قوى قول: بون آريفي وسلم باليد خلاص .. ثم يحتد على أبيه في موقف آخر: أنتم أبناء العرب زي البهايم تمام ..
وفي مقام ثالث يذكره أبوه بالبصل فيتأفف ويتظاهر بأنه لا يتذكر، ثم أخيرا يقول: أووه .. أونيون … تذكرته.
المشهد الأول
لم يتخذ النديم الكتابة حرفة لأكل العيش فقد كان يكتب بنبضه ودمه .. ولو كان من طائفة المتكسبين لما أقدم على أخطر خطوة في حياته .. بعدما فاض به الكيل في محاولة الإصلاح الاجتماعي .. لم يجد سبيلا سوى تغيير هذه الأنظمة السياسية التي تسير المجتمع .. فانضم للثورة العرابية، وما هي إلا أيام حتى أصبح خطيبها المفوه الذي يؤجج مشاعر الجند، ويحشد البسطاء حول الثورة ولهذا .. سمته «التايمز» خطيب الشرق، وقالت عنه «الديلي نيوز»: «إن النديم متعصب للدين .. ثوري .. مهيج .. يريد إحداث فتنة طائفية…»!
وبعد فشل الثورة العرابية هام على وجهه هاربا، ولم تتخل عنه زوجته الوفية ولا خادمه الأمين .. يحكي عنه الخادم كيف كان يتخفى ويتنكر في أزياء مختلفة بين شيخ وقسيس، أو عجوز وامرأة ومن فرط معرفته بحيل التخفي ألَّف رسالة في التنكر وطرق الهرب سماها «الاحتفاء في الاختفاء» طاف معظم قرى مصر، وكان أهم ما يساعده سعيه وراء الموالد التي تقام للأولياء، فينظر إليه الناس كواحد من المجاذيب أو المريدين، وبالتالي لا يشك أهل القرية أو السلطات في دخوله وخروجه ..
وقصة القبض عليه تعكس عبقريته ونهمه للقراءة وعدم الاستغناء عنها أبدا، فيحكي الخادم الوفي أنهم لما اشتدت الملاحقات وضيق الخناق عليهم اختبأ ثلاثتهم في سرداب مهجور تحت الأرض لمدة 9 أشهر .. ورفض النديم الإقلاع عن القراءة أو ترك الكتابة .. فكان يوقد بالليل مصباح غاز يقرأ على ضوئه .. رغم توسلات الزوجة والخادم وشكواهم من الهواء الفاسد الذي يكاد يخنقهم ..
وفي ليلة القبض عليه فسد المصباح فانتشرت رائحته الكريهة، وذهب الخفر يستطلعون الأمر فوجدوا النديم المطلوب للقبض، وكان ذلك بعد 9 سنوات كاملة من الهروب والاختباء طاف فيها أرجاء مصر، وتغلغل في أعماق أهلها .. ورفض الاستسلام بما يعكس طبيعته الصلدة وشخصيته المتحدية، ومن عجائب القدر أن يحقق معه المفكر «قاسم أمين» وكان وكيلا للنيابة، وهو الذي اشتهر بعد ذلك بدفاعه عن المرأة وهجومه على ظلم العادات لها والاستهانة بقدرها ..
ثم صدر أمر الخديوي توفيق بالعفو عنه .. ولكن مع نفيه إلى (يافا) وبعد تولي الخديوي عباس الحكم سمح له بالعودة مرة أخرى فأنشأ مجلة (الأستاذ)، وكانت أخف لهجة من أختها الكبرى (التنكيت والتبكيت) وصدم النديم بما آل إليه المجتمع المصري من انحلال خلقي وتفشي العري في العواصم وانتشار الخمور .. وذلك لأن السنوات التسع التي قضاها هاربا غيبته بعض الشيء عن هذا المجتمع الذي عمل فيه المستعمر الإنجليزي بكافة أدوات الهدم التي يمتلكها.
ورأى أن الأنسب أن تصدر الجريدة بالعامية المصرية البسيطة التي يفهمها الناس جميعا حتى الفلاحة في بيتها .. تسمعها من زوجها أو ابنها فتفهمها وتستسيغ أفكارها .. لكن المجتمع الثقافي آنذاك لم يتقبل الفكرة؛ وهو ما اضطره للعودة إلى الفصحى رغم أن عاميتها كانت -بشهادة معاصريه- أقرب إلى لغة الصحافة التي عرفناها فيما بعد ..
المشهد الثاني
لم ينخدع النديم بعودته ولم يخش أن يلاحق ثانية فاستمر في خطه قدمًا بنفس القوة في الهجوم على المظالم المتفشية .. مما أغضب (اللورد كرومر- المعتمد البريطاني) فنفاه مرة أخرى واختار النديم الآستانة، والتقي هناك بالأفغاني وعمل مفتشا للمطبوعات العثمانية براتب ضخم يذكر المقربون منه أنه كان يوزع معظمه على أحبابه وأصدقائه.
ولم يجعل منفاه بكائية وعويلا وإنما اتخذه فرصة للتفكير ومراجعة مواقفه من الحياة والكون والسياحة في الأرض، وأسفر منفاه هذا عن تأليفه أهم كتبه (كان ويكون) الذي يعرض فيه آراءه في الدين واللغة والسياسة والحياة، ورغم أنه من المؤلفات العظيمة التي لم تصلنا إلا أن الفيلسوف والمفكر أحمد أمين قال عن هذا الكتاب: «ما نشر منه ووصلنا يدل على نظر عميق واطلاع واسع وسماحة دينية لطيفة .. وعاطفة جياشة بحب الإسلام ومصر والشرق .. ».
ولم تدم حياة النديم في الرغد والرفاهية التي عاشها في الآستانة فقد أساء بعض المغرضين العلاقة بينه وبين الخليفة العثماني .. وهو ما دفع الخليفة لتجريحه والانتقاص من قدره؛ فلم يتوان النديم عن الرد بخطاب قوي بدأه بتفصيل عاقبة الظلم ومصير الظالمين، وبين له أن انتقاصه له إنما هو ظلم بين، ثم ختمها بقوله: «إننا سنقف بين يدي عادل قاهر يقضي بيننا بالحق وهو خير الحاكمين…».
المشهد الثالث
لم يمنعه الفن والملاحقات ولا اهتماماته السياسية من الإدلاء برأيه في مشكلات الشرق التي يراها وبالأخص نقد الغرب معبود المثقفين في عصره .. !
فيقول إن أوربا هي السبب في شرذمة الشرق بحربها على الخلافة العثمانية، ويقول: «لو كانت الدولة العثمانية مسيحية لبقيت بقاء الدهر .. ».
ثم يعيب على دعاة الحرية المزعومة أنهم نادوا بالتخلص من ربقة المنظومة الإسلامية بدعوى الحرية وفي المقابل وقعوا في عبودية الغرب، فهو يحدد مصطلح الحرية فيقول: «الحر هو من ملك أمره ولم تتقيد أفكاره بغرض ما»، ولكن هؤلاء المتغربين يحكمون على الفكر الأوروبي من منطلق هوسهم.
وهو ينسب فضل التقدم الأوربي إلى الحضارة الإسلامية (كل ما في الكون الآن من العلماء إنما هم تلامذة المسلمين، وفي عنق كل منهم نعمة للدين الإسلامي).
والنديم يدهشنا في موقفه الوسطي من أوربا والدهشة هنا مبعثها هذا الموقف الناضج المتبصر في هذا الوقت المبكر الذي كانت أوربا لا تجد في الشرق إلا صيدا سهلا مما كان سيعطيه العذر تماما إن تحامل عليها وهاجمها، لكن النديم يفاجئنا بأنه لا يرفض أوربا بالكلية، لكنه يمدح كثيرًا من أسس التقدم لديهم، وينادي الشرق بالرجوع إليها مثل:
- حرية الكتاب في نشر أفكارهم
- تشجيع المخترعين والمبتكرين.
- مساهمة أصحاب الأموال في دفع النهضة.
- التعليم الإجباري.
- المؤسسات الاجتماعية المتميزة.
- المجالس النيابية ومشاركة الأفراد في إدارة الوطن.
ورفض النديم بشكل قاطع ادعاءات أوربا بأنها علمانية، ويستشهد على ذلك بأن فرنسا أصدرت أمرًا للكنائس يلزم الأمة كلها بالصلوات كلما جابهتهم أزمة سياسية أو اقتصادية.
مات النديم مخلفا لنا تركة عظيمة سمع ورثته عن معظمها لكنها لم تصلهم
فقد ألف أكثر من 7 آلاف بيت شعر، وروايتين. أشهر كتبه «الاحتفاء في الاختفاء»، «اللآلئ والدرر في فواتح السور»، و «البديع في مدح الشفيع»، و «في المترادفات» وللأسف لم يصلنا منها إلا مقتطفات ويرجع هذا لسببن:
الأول: فترات الهروب والنفي والملاحقات الأمنية التي أصبحت فيها كتابات النديم بمثابة منشورات سرية ثورية يتناقلها البسطاء والأحرار في كل مصر .. وتعرضت لها الدولة بالرصد والمنع والحرق ..
الثاني: أنه في أخريات حياته طلب من أصدقائه ما عندهم من كتبه (لأنه كان يعطيهم كتبه لمن يطلبها من أصدقائه) ليحرقها؛ لأنه وجد فيها هجاءً كثيرًا وتجريحًا في بعض الشخصيات.
ولما عاتبوه على ذلك قال: قد خلعت تلك الثياب الدنسة، ولبثت ثوب: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا ..
وهكذا مضى النديم كما كان في حياته لا يرى نفسه فوق أحد أبدا ..