يكذب إِبْرَاهِيم قطّ إِلَّا ثَلَاث كذبات: قَوْله إِنِّي سقيم، وَقَوله: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَقَوله عَن سارة: أُخْتِي)) .

اعْلَم أَن الْكَذِب لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء بِحَال، فَهَذَا أصل يَنْبَغِي أَن يعْتَقد وَلَا يُنَاقض بأخبار الْآحَاد، فَإِنَّهُ ثَابت بِدَلِيل أقوى مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَن إِبْرَاهِيم قَالَ قولا يشبه الْكَذِب. قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: كَلَام إِبْرَاهِيم كَانَ صدقا عِنْد الْبَحْث، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ قولا يشبه الْكَذِب فِي الظَّاهِر وَلَيْسَ بكذب. قَالَ ابْن عقيل: دلَالَة الْعقل تصرف ظَاهر هَذَا اللَّفْظ، وَذَاكَ أَن الْعقل قطع بِأَن الرَّسُول يَنْبَغِي أَن يكون موثوقا بِهِ ليعلم صدق مَا جَاءَ بِهِ عَن الله، وَلَا ثِقَة مَعَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ، فَكيف مَعَ وجود الْكَذِب مِنْهُ، وَإِنَّمَا استعير ذكر الْكَذِب لِأَنَّهُ بِصُورَة الْكَذِب فَسَماهُ كذبا مجَازًا، وَلَا يجوز سوى هَذَا.

قلت: وَاعْلَم أَن تِلْكَ الْكَلِمَات إِنَّمَا كَانَت من إِبْرَاهِيم على جِهَة المعاريض، غير أَن الْأَنْبِيَاء يحذرون من كلمة تشبه الْكَذِب، وَلذَلِك يَقُول الْخَلِيل إِذا قيل لَهُ فِي الْقِيَامَة: اشفع لنا: إِنِّي كذبت. وَبَيَان أَنَّهَا كَانَت من جِهَة المعاريض أَنه رُوِيَ عَن الْكسَائي أَنه كَانَ يقف عِنْد قَوْله: {بل فعله} [الْأَنْبِيَاء: 63] وَيَقُول: فعله من فعله وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ: إِن كَانُوا ينطقون فقد فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَكَذَلِكَ: {إِنِّي سقيم} [الصافات: 89]

طور بواسطة نورين ميديا © 2015