"في الليلة الأخيرة من حياة حافلة، أقدم للشعب الألماني عملاً كانت صورته غير المحددة تتراءى لعقلي لنحو نصف قرن· وكنت مرارا أرنو إلى إكماله لكنني كنت أعتبر هذه الرغبة غير عملية، بل غالبا ما كنت أميل إلى التخلي عنه، إلا أنني عدت مرة أخرى إلى مواصلة العمل فيه، وربما كان هذا طيشاً مني··· وكان الدافع الأساسي الذي وجهني هو السعي المتلهف لفهم ظواهر الأمور الفيزيقية في إطار ارتباطاتها العامة بعناصرها وبما هو خارج عنها، وفهم الطبيعة في إطارها العام ككل متكامل عظيم، يتحرك ويحيا ويتفاعل بفعل قوى داخلية"·
وترجم الكتاب إلى الإنجليزية في سنة 1849، فبلغت صفحاته ألفي صفحة تقريبا، كانت تتناول الفلك والجيولوجيا والأرصاد الجوية والجغرافيا، مظهراً العالم المادي (الفيزيقي) حيا مثيرا للدهشة ورغم هذه الحيوية فإن القوانين الرياضية، وقواعد الكيمياء والفيزياء تحكمه· لقد قدم لنا صورة عامة كأوسع ما يكون، صورة عامة لم تنشأ كميكانيكية جامدة (كتركيب جامد لا حياة فيه) وإنما مفعمة بحيوية لا حد لها، وامتداد لا نهاية له، وإبداع ملازم للحياة·
لقد كانت طاقة همبولدت وحيويته مثيرة، فما كاد يستقر في برلين حتى قبل دعوة من القيصر نيكولاس الأول Czar Nicholas I ليرأس بعثة كشفية علمية في آسيا الوسطى (1829) فقضى نصف عام يجمع بيانات عن الأرصاد الجوية ويدرس تكوين الجبال وفي الطريق اكتشف مناجم ألماس في الأورال Urals، وعندما عاد إلى برلين استفاد من منصبه في البلاط ليحسن النظام التعليمي ولتقديم العون للعلماء والفنانين· وبينما كان يكتب المجلد الخامس من كتابه عن (الكون Kosmos) أتاه الموت وهو في التسعين من عمره، فشيعته بروسيا في جنازة رسمية·