لقد فشل كدبلوماسي لأنه كان شديد الافتتان بالثورة الفكرية بدرجة تجعله غير قادر على معالجة أمور السياسة المتغيرة ولما كان غير مرتاح على المسرح العام (غير مرتاح للتعامل مع الأمور العامة) فقد عكف على حياة العزلة وراح يدرس، وكان مفتونا بعلم فقه اللغة (الفيلولوجيا philology) وتتبع الألفاظ عند انتقالها من مكان إلى مكان (المفهوم لمعرفة ما يلحقها من تحريف أو تبديل) · ولم يكن يؤمن بقدرة الحكومة على حل المشكلة الاجتماعية لأن أفضل القوانين يمكن أن تفشل أمام طبيعة الإنسان التي لا تتغير· وخلص إلى أن الأمل الوحيد للإنسان يكمن في تطور أقلية قد يكون في إخلاصها منارة تهدي الشباب فيقتدون بها حتى في جيل أصابه القنوط·
وعلى هذا فقد خرج وهو في الثانية والأربعين من خصوصيته (انكفائه على نفسه) وخدم بلاده وزيراً للتعلم، وفي سنة 1810 عهدت إليه الحكومة بتنظيم جامعة برلين، فأحدث فيها تغييرات ظلت مؤثرة في الجامعات الأوربية والأمريكية حتى اليوم: لقد كان محك اختيار الأساتذة ليس قدرتهم على التدريس فحسب وإنما لشهرتهم أو رغبتهم في البحث العلمي الأصيل· وتم دمج أكاديمية برلين للعلوم (أسست في سنة 1711) والمرصد الوطني وحديقة النباتات والمتحف والمكتبة في الجامعة الجديدة· والتحق بهذه الجامعة فيشته الفيلسوف، وشلايرماخر Schleiermacher اللاهوتي، وسافيجنى Savigny القانوني وفريديش أوجست فلف Friedrich صلى الله عليه وسلمugust Wolf (1759 - 1824) العالم الكلاسيكي (المقصود المتخصص في الكلاسيكيات أي الدراسات اليونانية واللاتينية) الذي فاجأ الهيلينستيين Hellenists ( المقصود هو المتخصصون في الدراسات الهيلينستية أي التراث اليوناني المتفاعل مع تراث الشرق عامة، وقد يكون المقصود أهل هذه المناطق) ببحوثه المتسمة بالتنور والتي خلص منها إلى أن هوميروس Homer ليس شاعرا واحدا وإنما سلسلة من المغنين هم الذين ألفوا - بشكل جماعي - الإلياذة والأوديسة،