قصه الحضاره (صفحة 15680)

إلا أنهم أيضاً وجدوا من الحكمة أن يأخذوا بما طبَّقه نابليون من حرية اعتقاد للأقليات الدينية بل وحماية المنشقين عن الكنيسة الرسمية شريطة ألا يهددوا الأمن العام، بل وإعطائهم معظم حقوق المواطنين العاديين (كما حدث في روسيا وألمانيا والنمسا) وإن تقاعست أسبانيا والبرتغال عن هذه الخطوة لأسباب تاريخية· بعد أن اتخذ ملوك أوربا هذه الإصلاحات أتى دور الألعاب النارية التي حقق فيها ملوك أوربا النصر العسكري على نابليون، بعد أن كانت تحالفاتهم ضدّه·

قد فشلت تحالفاً إثر تحالف· وبذلك جنت شعوب أوربا كلها ما في الثورة الفرنسية من جوانب إيجابية وتحاشت سلبياتها التي اكتوت بنارها فرنسا من حروب داخلية، وصراع طبقي دام ومقصلة جزّت من الرؤوس أكثر مما جز أي سلطان عثماني كما يقول المؤلفان في معرض تقويمهما الحصيف للدولة العثمانية· ولم تكن هذه أول حالة في التاريخ ينتصر فيها المهزوم انتصاراً حضاريا على هازميه، فالمؤرخ الأمريكي روم لاندو يذكر لنا أن المغول بعد أن اجتاحوا العالم الإسلامي، بل ودمروه، اعتنقوا دين ضحاياهم الأرقى حضارة وفكرا وأخذوا بمؤسساتهم ونظمهم بل وراحوا يعمّرون ما سبق لهم تدميره· إننا هنا إزاء حالة انتصرت فيها الحضارة الإسلامية رغم هزيمة المسلمين· القول نفسه ينطبق شيئا ما على الثورة الفرنسية ونابليون، لقد خرجت جيوش نابليون من أوربا لكن بقيت المدوّنة القانونية النابليونية· خرجت جيوش نابليون لكن خرجت معها محاكم التفتيش وتقلصت سلطة الباباوات ولم تعد أبداً كما كانت·

في الفصل الخامس والعشرين يظهر لنا المؤلفان أن حركة تحرير المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في العالم الجديد، بدأت بسبب إنهاك نابليون للدولتين المستعمرتين: إسبانيا والبرتغال، وفي الفصل السادس والعشرين يبين لنا أن الجذور التاريخية لحركة الوحدة الإيطالية بعد ذلك - إنما تعود لجهود نابليون في توحيد إيطاليا تحت سلطانه، وفي الفصل التاسع والعشرين يرى المؤلفان أن تكوين نابليون لكونفدرالية الرّاين، وإثارته حفيظة الشعوب الألمانية كان هو الأساس التاريخي لقيام الوحدة الألمانية بعد ذلك·

طور بواسطة نورين ميديا © 2015