قصه الحضاره (صفحة 15610)

وفي أواخر حياته (1823) راح يتحدث - كما كان يتحدث في صباه - عن الله، وعن القضاء والقدر وكون الإنسان لا يملك من أمره شيئا· وعندما كان في مرحلة المراهقة فقد عقيدته الدينية ولم يجد قيما ومعنويات يرتمي في أحضانها في أدب أو فلسفة وبالتالي لم يجد وازعا يقاوم حواسه وعواطفه ورغباته، وكان عقله المتحرر وفكره المتقلب يجدان أسبابا حافزة للاستسلام لرغباته ولم تتكشف له فحوى حكمة القيود التي فرضها المجتمع· ومن الظاهر أنه كبح ميوله للشذوذ الجنسي وعوضّ منها بالصداقات الحميمة المخلصة بل لقد استسلم لمفاتن أخته، وفي ديوانه (شايلد هارولد) يخبرنا بجسارة عن حبه:

لواحدة ذات صدر ناهد

ارتبط صدره بصدرها برباط أقوى

من الارتباط بالكنيسة (أو أقوى من رباط تعقده الكنيسة)

وعندما أدانه المجتمع الإنجليزي لإطلاقه العنان لشهواته أو لفشله في إخفائها، أعلن الحرب على النفاق الإنجليزي أو بعبارة أخرى تظاهر الإنجليز بالفضيلة، وراح يهجو الطبقات العليا المكونة من قبيلتين قويتين وأدان استغلال أصحاب المصانع للعمال، بل ودعا أحيانا للثورة:

يحمي الله الملك والملوك

لأنه إن لم يفعل، أشك أن يستمر البشر!

أظن أنني أسمع طائرا صغيرا يغني قائلا:

سيغدو الشعب - عما قريب - أقوى··

وكذا سواد الناس

الكل أخيرا سيتخلى عن العمل الزائف··

سأقول سعيدا: يالتعاسة!

إذا لم أدرك هذه الثورة

فيمكنني وحدي أن أنقذ العالم من دنس جهنم·

وعلى أية حال فإنه لم يكن ميالاً للديمقراطية فلم يكن يثق في الجماهير وكان يخشى أن تؤدي الثورة إلى دكتاتورية أسوأ من دكتاتورية الملك أو البرلمان· وكان يرى بعض المزايا في حكم الأرستقراطيين بالمولد ويتطلع إلى أرستقراطية نظيفة عاقلة مدربة تتسم بالكفاءة· فلم ينس أنه هو نفسه لورد فسرعان ما عارض رفع الكلفة والمساواة فقد كان يعرف أن وجود مسافة أو حدود في العلاقات الاجتماعية يُضفى سحراً عليها· وتغيرت نظرته لنابليون مع مرور الأحداث مادام نابليون قد توج نفسه إمبراطورا وسلّح نفسه بالألقاب فقد رآه بايرون خير صيغة وسطية بين الملوك والجماهير·

طور بواسطة نورين ميديا © 2015