لذا فإن طموحهُ قد أدى به إلى وثبات متتالية من منطقة إلى أخرى· لقد كان يحلم بمنافسة شارلمان في توحيد أوروبا الغربية بما في ذلك الولايات البابوية - بالقوة، ومن ثم يتتبع خطى قسطنطين Constantine فيخرج من فرنسا إلى ميلان ومنها إلى القسطنطينية (اسطنبول) ليستولي عليها، ويشيد أقواس النصر التقليدية لإحياء ذكرى انتصاراته، ويستمر في أحلامه فيجد أوروبا صغيرة جداً، وأنها مجرّد تل من تراب، فيشرع في منافسة الإسكندر الأكبر فيغزو الهند، قد يكون هذا عملاً شاقاً له وللمليون جندي التابعين له، لكن العظمة ستكون عِوَضاً كافياً له ولهم عن هذا التعب، وإن أدركهم الموت فلا بأس فهذا ليس ثمناً باهظاً فالموت ليس مأساة، وإنما المأساة أن تعيش مهزوماً تافهاً، فتلك حياة تعني أنك تموت كل يوم إنني لا أعيش إلاّ للأجيال القادمة· لقد أصبح المجد هو حبّه المهيمن، لذا فقد قبلته فرنسا كلها - تقريباً - كمرشد (باعتباره نجماً هادياً) طوال عقد من الزمن، وكأنها مسوقة بقوى التنويم المغناطيسي·
لقد تابع تحقيق أهدافه بإرادة لا تلين إلاّ لتقفز من جديد - حتى استنفذ طاقاته في بلوغ الذروة وأصبح بعدها جديراً بالشفقة· لقد توحّد طموحه الذي لا يهمد مع إرادته وتوجهاته ليتفاعل مع جوهر أيامه، ففي برين قال: "حتى عندما لم يكن أمامي شيء محدد لأقوم به، فإنني كنت أشعر دائماً أنني لا يجب أن أضيع الوقت", وإلى جيروم Jerome في سنة 1805 وجه حديثه قائلا: "إنني لا أدين إلاّ لقوة الإرادة والشخصية والقدرة على التنفيذ والجسارة", فالجرأة كانت جزءاً من إستراتيجيته، وكان يستغل عامل الوقت فكان يواجه عدوه بسرعة إجراءاته، وأفعاله الحاسمة في وقت لا يتوقَّعونه وفي مكان لا يتصوَّرون حدوث المواجهة فيه· لقد كان يقول: "إن هدفي هو الوصول للهدف مباشرة دون أن أسمح لأي اعتبار أن يوقفني"،
لكنه استغرق عقداً من الزمن ليتعلم الحكمة القديمة التي مؤداها أنه في السياسة يعتبر الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين·