ذوات الألوان العارية. ولم يبق في المدينة عين ساهرة إلا عينَ سيد غريب (يذكّره هذا الليلُ الساجي وهذا البدرُ المطل بلدَه، فيؤرقه الشوق، فهو يطوف بهذه المرابع ويده على قلبه) وعيوناً أخرى خلال تلك البيوت التي تبدو سُرُجها المضيئة - من بعيد - كلِيلةَ الضوء «ترتجف» من الخجل وهي تضرب بأشعتها تائهة وسط الفضاء، حيث يجلس على العتبات فتيات بائسات يعرضن في استحياءٍ أجساداً قد عرّتها هاتيك المهنة الآثمة، ينتظرن عابراً يسوقه المقدار إليهن فيبعنه اللذة ويطعمنه من لحمهن ... ليعطيهن دراهم يحملنها إلى أسيادهن الذين يكرِهونهن على البغاء، ولا يكون نصيبهن بعد ذلك إلا أرغفة من الخبز معجونة بالدم والشرف والوحل.

تلك هي سنة قوم لم يتأدبوا بعد بأدب الإسلام!

فلما مال ميزان الليل، وغلبهن التعب، ولم يطرقهن طارق، تسللن إلى بيوتهن فنمن على فرش العار إلى الصباح، ليستقبلن من يقذف به القدر إليهن من الرجال. ولم يبق إلا فتاة صغيرة، تنظر إلى السماء بعينين زرقاوين بلون السماء، تفيضان بالطهر ... رغم أنهما في وجه بغي، ولها فم صغير حلو ينطق بالصفاء من غير أن تتحرك شفتاه الرقيقتان، وكأن هذا الفم وردة من ورد الجنائن، غير أنها لا تذوي ولا تذبل، وأنها من لحم ودم. وكانت من بنات الروم؛ فما تحترف عربية حرفة الخنا. وكان لها شعر أشقر متموج يبرق تحت أشعة القمر كبريق الذهب، وجسم أبيض لدن له لون العاج، ولين الحرير، وسحر الحب، وفعل الخمر ... فهي وردة نمت في غير أرضها، فازدادت - بِنُدرتها - جمالاً إلى جمالها.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015