فَإِذَا عَرَفْت فَوَائِدَ الْعُزْلَةِ وَغَوَائِلِهَا تَحَقَّقْت أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا خَطَأٌ , بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى الشَّخْصِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْخَلْطِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْبَاعِثِ عَلَى مُخَالَطَتِهِ وَإِلَى الْفَائِتِ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ مِنْ الْفَوَائِدِ , وَيُقَاسُ الْفَائِتُ بِالْحَاصِلِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِانْقِبَاضُ عَنْ النَّاسِ مَكْسَبَةُ الْعَدَاوَةِ , وَالِانْبِسَاطُ لَهُمْ مَجْلَبَةٌ لِقُرَنَاءِ السُّوءِ , فَكُنْ بَيْنَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ , وَمَنْ ذَكَرَ سِوَى هَذَا فَهُوَ قَاصِرٌ , وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ فِي الْحَالِ انْتَهَى كَلَامُهُ.

قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّمَعُ فَقْرٌ وَالْيَأْسُ غِنًى , وَالْعُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ , وَقَرِينُ الصِّدْقِ خَيْرٌ مِنْ الْوَحْدَةِ.

وقال أيضاً خَالِطُوا النَّاسَ فِي مَعَايِشِكُمْ وَزَائِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ.

وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَصُونُ دِينَهُ وَعِرْضَهُ , وَإِيَّاكُمْ وَالْأَسْوَاقَ فَإِنَّهَا تُلْغِي وَتُلْهِي.

وقال أيضاً كَانَ النَّاسُ وَرَقًا لَا شَوْكَ فِيهِ وَهُمْ الْيَوْمَ شَوْكٌ لَا وَرَقَ فِيهِ.

وَقَالَ مَكْحُولٌ إنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ فَضْلٌ فَإِنَّ فِي الْعُزْلَةِ سَلَامَةً. أهـ

{تنبيه}: لا تكون العزلة محمودة إلا بعد التفقه في الدين.

أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن إبراهيم النخعي قال: تفقه ثم اعتزل.

وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ربيع بن خثيم قال: تفقه ثم اعتزل.

وسُئِلَ بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ قال: خبالٌ ووبال، فقيل له: فالعالِم؟ فقال: مالك ولها؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها.

{تنبيه}: هذا الكلام غايةٌ في الصدق والتوفيق حيث شبه عزلة العالم بضالة الإبل، فكما أن ضالة الإبل لا يُخشى عليها الضياع لأن معها حذاؤها وسقاؤها، فكذا عزلة العالم لا يُخشى عليها الضياع لأن معه الكتاب والسنة.

ثانياً: يأخذ بحظه من المخالطة: وعليه يحمل الحديث الآتي:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015