على تقدير قوله: ما لي لا أدعوهم حرصا على إسلامهم؟ فقيل: (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا).

[(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً)].

(الْغَفُورُ) البليغ المغفرة (ذُو الرَّحْمَةِ) الموصوف بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) وهو يوم بدرٍ (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا) منجى ولا ملجأ، يقال: وأل إذا نجا، و «وأل إليه» إذا لجأ إليه.

[(وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً)].

(وَتِلْكَ الْقُرى) يريد قرى الأوّلين من ثمود وقوم لوط وغيرهم: أشار لهم إليها ليعتبروا. (وتِلْكَ) مبتدأ، و (الْقُرى) صفة؛ لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، و (أَهْلَكْناهُمْ) خبر.

ويجوز أن يكون (وتِلْكَ الْقُرى) نصباً بإضمار "أهلكنا" على شريطة التفسير. والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم (لَمَّا ظَلَمُوا) مثل ظلم أهل مكة (وَجَعَلْنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمعنى: وتلك أصحاب القرى)، إلى قوله: (مثل ظُلم أهل مكة)، هذا معنى الآية على التقديرين. وفيه أن المشار إليه بقوله: (تلك): ما دل عليه قوله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ) يعني: إن كان مقتضى المغفرة والرحمة ترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً، لكن مقتضى الوعد إهلاكهم آجلاً، وبذلك مضت سنة الأولين، وكما أهلكنا القرون الماضية بعد إرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين وبعد مجادلتهم إياهم بالباطل ليدحضوا به الحق، كذلك يُهلك أهل مكة؛ لأنهم ظلموا مثل ظُلمهم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015