. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...

تجدُ في القرآن آية لأحدِ هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق قولنا، وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين.

وقلتُ - والله أعلم-: قلما تجدُ في القرآن المجيد كلاماً أكشف وأبين دليلاً على صحة مذهب أهل السنة من هذا؛ وذلك أن قوله: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) كالتذييل للآية السابقة. وقوله: (إَنَّا جَعَلْنَا): استئناف لبيان موجب إعراض الظالم ونسيانه، أي: تشاغله وتغافله عما يهمه من تدارك ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي بعدما ذُكر بآيات ربه، وإليه أشار المصنف بقوله: "ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوعٌ على قلوبهم".

ثم في بناء (جَعَلْنَا) على (إَنَّا) على سبيل تقوى الحكم والتخصيص وتوكيده بـ"أنْ"، وإيثارُ صيغة التعظيم الدلالة على أنه فعالٌ لما يشاءُ، ويحكم ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه، وأنه تعالى فعالٌ لذلك البتة وهو مختص به، ثم أوقع قوله: (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) نتيجة عن التعليل مقرراً لما سيقت له العلة.

والحاصل أن لا جبر ولا قدر، فقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ) الآية، إشارة إلى الكتب، وقوله: ((إَنَّا جَعَلْنَا) الآية، إشارة إلى الخلق والإيجاد، والله أعلم.

ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة، يعني: أخبر الله عز وجل أنه تعالى بليغ المغفرة والموصوف بالرحمة، ثم جاء بقوله: (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا) استشهاداً بأنه بليغُ الرحمة، يعني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم أن يصب عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه الرب الغفور ذو الرحمة يمهل ولا يعاجل.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015