. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"فإني ناصرك" نظرٌ، لأن النهي عن الحزن لم يكن لأنه خاف شرهم فحزن حتى يقال: "إني ناصرك وكافيك شرهم"، وإنما نُهي عن الحزن لأجل مسارعتهم في الكفر، ثم بين بقوله: {مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} بقوله: {وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} إلى آخر الآية على سبيل التعليل، حيث أوقع تلك الصفات صلات للموصولات، أي: سبب مسارعتهم في الكفر: النفاق وسماع الكذب وتحريف كتاب الله وتغيير أحكامه وكتمان نبوته، وذلك الذي أوقعه في الحزن، ألا ترى كيف أوقع {وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً} اعتراضاً مؤكداً لمعنى المعترض فيه؟

ومما يشد من عضد هذا التأويل ما روينا عن مسلم وأحمد وأبي داود وابن ماجه، عن البراء، قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محممٌ مجلود، فدعاهم، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ "، قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، فحده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرُجم، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله تعالى: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يقول: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] في الكفار كلها، وسيجيء الكلام فيه.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015