(وَإِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا يُؤَدِّيهِ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ، وَقَوْلُهُ رَجَعَ بِمَا أَدَّى مَعْنَاهُ إذَا أَدَّى مَا ضَمِنَهُ، أَمَّا إذَا أَدَّى خِلَافَهُ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإذَا كَانَ خَلِيطًا أَوْ شَرِيكًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَرْجِعُ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْقَضَاءَ بِنَاءً عَلَى الْأَمْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْأَمْرِ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ قَضَاءً مِنْ جِهَةِ الَّذِي أَمَرَ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: اقْضِ عَنِّي وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ اسْتِقْرَاضًا مِنْهُ، وَمَتَى قُلْنَا: لَا يَقَعُ عَنْ الَّذِي أَمَرَ لَغَا الْأَمْرُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا عَنْ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ وُجُودُ الْأَمْرِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً. أَمَّا الْخَلِيطُ فَيَرْجِعُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْخَلِيطُ هُوَ الَّذِي يَعْتَادُ الرَّجُلُ مُدَايَنَتَهُ وَالْأَخْذَ مِنْهُ وَوَضْعَ الدَّرَاهِمِ عِنْدَهُ وَالِاسْتِجْرَارَ مِنْهُ، وَأَوْرَدَ مُطَالَبَةً بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرِ فِي الْكَفَالَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَ أَدِّ عَنِّي زَكَاةَ مَالِي أَوْ أَطْعِمْ عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَأَدَّى عَنْهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ مَا لَمْ يَشْرِطْ الضَّمَانَ فَيَقُولُ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ فَلَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ فِي الرُّجُوعِ وَإِنْ ذَكَرَ فِيهِ لَفْظَةَ عَنِّي بَلْ حَتَّى يَشْتَرِطَ الضَّمَانَ وَفِي الْكَفَالَةِ اكْتَفَى بِهِ.
وَأَجَابَ فِي الذَّخِيرَةِ وَمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ الْآمِرَ طَلَبَ التَّمْلِيكَ مِنْ الْمَأْمُورِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ وَيَقْضِيَ عَنْهُ وَأَنْ يَكُونَ قَاضِيًا عَنْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ الْمَقْضِيُّ بِهِ مِلْكًا لِلْآمِرِ، إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ لِلْآمِرِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ مِلْكِ الْقَابِضِ فَيَثْبُتُ عَلَى وَقْفِهِ، فَمَتَى ثَبَتَ لِلْقَابِضِ مِلْكٌ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ يَثْبُتُ لِلْآمِرِ مِثْلُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا. وَفِي قَضَاءِ الدَّيْنِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْقَابِضِ مِلْكٌ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَمَلَّكَهُ بِالْمِثْلِ وَهُوَ الدَّيْنُ السَّابِقُ لَهُ، حَتَّى لَوْ ظَهَرَ أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يَسْتَرِدُّ مِنْهُ الْمَقْبُوضَ فَيَثْبُتُ لِلْآمِرِ مِلْكٌ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْقَرْضُ. وَفِي بَابِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ يَثْبُتُ لِلْقَابِضِ مِلْكٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْمِثْلِ، حَتَّى لَوْ ظَهَرَ أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ لَا يَسْتَرِدُّ مِنْ الْفَقِيرِ مَا قَبَضَ فَيَثْبُتُ لِلْآمِرِ مِلْكُ مِثْلِ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا بِالشَّرْطِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْكَفَالَةِ تَضَمَّنَ طَلَبَ الْقَرْضِ إذَا ذَكَرَ لَفْظَةَ عَنِّي، وَفِي قَضَاءِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ طَلَبُ اتِّهَابٍ؛ وَلَوْ ذَكَرَ لَفْظَةَ عَنِّي لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَكْفُولِ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْقَابِضِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ) هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ يَرْجِعُ كَالْوَكِيلِ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ الطَّالِبَ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ كَالْمُمَلِّكِ لِمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ الْكَفِيلِ أَوْ كَالْمُقِيمِ لَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَالِ مِنْ الْأَصِيلِ. وَقُلْنَا: تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَجُوزُ، وَحَيْثُ تَسَاهَلْنَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّشْبِيهُ: أَيْ هُوَ كَالْمُمَلِّكِ، وَفِي الْكَفَالَةِ بِالْأَمْرِ يَجِبُ الْمَالُ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ حُكْمًا لِلْكَفَالَةِ كَمَا وَجَبَ لِلطَّالِبِ بِهَا عَلَى الْكَفِيلِ لَكِنْ يَتَأَخَّرُ إلَى أَدَائِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي كَفَالَتِهِ بِلَا أَمْرِهِ (لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ) وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِلَا رِضَاهُ وَلِذَلِكَ لَا يَرْجِعُ.
وَقَوْلُهُ (رَجَعَ بِمَا أَدَّى مَعْنَاهُ إذَا أَدَّى مَا ضَمِنَهُ أَمَّا إذَا أَدَّى خِلَافَهُ) فَإِنَّمَا (يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ) حَتَّى لَوْ كَانَ الدَّيْنُ زُيُوفًا: فَأَدَّى عَنْهَا جِيَادًا فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالزُّيُوفِ أَوْ كَانَ الدَّيْنُ جِيَادًا فَأَدَّى عَنْهَا