كلام النووي في حديث (إن قتله فهو مثله)

أما قوله عليه الصلاة والسلام: (إن قتله فهو مثله) فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر؛ لأنه ليس هناك فضل؛ لأنه استوفى حقه منه بخلاف ما لو عفا عنه، فحينئذ يكون له العفو والمنة واليد عليه طول حياته.

وقيل وهو الرأي الثاني: هو مثله في أنه قاتل، وإن اختلف في الحكم، والحل، والحرمة، هذا قاتل وهذا قاتل، لكن الأول قتل ظلماً، والثاني قتل حقاً.

فحينئذ هو مثله وإن اختلف الحكم، لكنهما استويا في طاعتهما الغضب، فالأول حمله الغضب من السب والشتم على القتل، والثاني حمله الغضب من القتل الذي وقع على أخيه أنه تشفى بالقصاص، فهما سواء في طاعتهما الغضب ومتابعة الهوى، لاسيما وقد طلب النبي عليه الصلاة والسلام منه العفو.

وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ الذي هو صادق فيه لإيهام مقصود صحيح وهو أن الولي ربما خاف فعفا، والعفو فيه مصلحة للولي والمقتول، كما أن فيه مصلحة للقاتل أنه بقيت حياته، ومصلحة لولي القتيل لذهاب الإثم والحرج عنه، وتحمل الآخرين عنه ذنوبه، وهذا معنى قوله: (يبوء بإثمك وإثم صاحبك) أي: وإثم أخيك.

قال: (وقد قال الضمري: يستحب للمفتي إذا رأى مصلحة في التعريض للمستفتي أن يعرض تعريضاً يحصل به المقصود، مع أنه صادق) لأن المعاريض يلزم فيها الصدق؛ والمعاريض كلمة تحتمل وجهين المراد الوجه البعيد، والمقصود هو الوجه القريب.

فلو جاء إليك شخص وقال لك: أنا سوف أقتل فلاناً فهل لي من توبة؟ فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا توبة للقاتل.

وهو رأي باطل مردود.

وقيل: إنه رجع عنه.

والصواب هو مذهب الجماهير الذين قالوا: إن القتل ذنب، وكبيرة من الكبائر، فيأخذ حكم بقية الكبائر، فحينئذ لو أنك عرضت لمثل هذا بقول ابن عباس ردعاً له عن اقتراف الذنب أكنت محقاً في ذلك أم مبطلاً.

لو أتى ألي هذا الوقت شخص وقال: يا شيخ السكينة في يدي وشخص من الإخوة الذين يحضرون معك قد أخذ مالي فإن لم يعطني مالي الآن أنا سوف أقتله هذا الوقت، فهل لي من توبة لو قتلته؟ أقول له: ليس لك توبة؛ لأن ابن عباس قال: لا توبة لقاتل.

مع أنني لا أعتقد صحة هذا القول، لكنني صادق في نقل كلام ثبت عن ابن عباس، فحينئذ يجوز المعاريض لدفع البلاء، يجوز لشخص أن يعرض بقول هو صادق فيه لدفع بلاء أعظم من هذا التعريض.

وفي الأثر: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015