الجواب: أما السؤال الأول فإن الدم الصاعد في العرق الصاعد مستغن عن التصفية عن المائية وإنما يحتاج إلى ذلك العرق النازل فقط، وإنما كان كذلك. لأن تصعد المائية في العرق الصاعد لا يمكن أن يكون بالطبع، ولا أيضاً تجذبه الأعضاء فلذلك تصعدها في ذلك الصاعد غير ممكن إنما تصعدها بالطبع محال فلأن المائية من شأنها السيلان إلى أسفل لا إلى فوق وأما أن تصعدها يجذب الأعضاء لا محال فلأن جذب الأعضاء إنما يكون لما يغتذي به ولما يعين على تغذيتها والمائية لا تصلح للأعضاء فلذلك كان تصعد هذه المائية الزائدة في العرق الصاعد حينئذٍ محالاً وأما العرق النازل فإن هذه المائية تنفذ فيه لأن المائية شأنها السيلان إلى أسفل وهذه المائية لأنها زائدة عن المقدار الذي يستحقه الدم الغاذي يحتاج إلى تصفية الدم منها وإنما يمكن ذلك باندفاعها عنه، وذلك بأن تجتذبها الكلى فيخلص الدم منها، وجذب الكلى لها لا لأنها ملازمة للدم الذي يحتاج إليه الكلى في تغذيتها، فتجذب الكلى لذلك الدم ويلزم ذلك انجذاب هذه المائية والسبب في أن هذا الدم تنجذب معه مائية كثيرة بخلاف الدم الباقي وغيره هو أن الأعضاء تجذب الدم أيضاً ولا تجذب المائية، وجب تلك الأعضاء يمانع من أن يندفع إلى الكلى لجذبها دم كثير ولأجل فقدان جذب تلك الأعضاء المائية تكون مندفع منها مع ذلك الدم كثيراً ولأجل هذا وجدت المائية يكون المندفع منها من ذلك الدم كثيراً، فلذلك تندفع إلى الكلى دم كثير المائية وبكثرة تلك المائية يخلص الدم الباقي منها، وبعد انفصال هذين الطالعين من العرق العظيم النازل ينفصل منه أيضاً عرقان آخران ينفذان إلى الأنثيين في نفوذ هذين العرقين إلى مع أن الأنثيين ينبغي أن يكون ما يأتيهما من العروق آتياً إليها من هذا العرق العظيم النازل بعد وصوله إلى عظام العجز. لأن ذلك الموضع أقرب إلى الأنثيين. سبب ذلك أن الدم المائي النافذ في الطالعين إلى الكليتين ليس يكاد يستقصي ما في الدم من المائية الزائدة فيبقى في الدم الباقي يسير من تلك المائية الزائدة فيحتاج إلى دفعها إلى عضو يحتاج في غذائه إلى رطوبة زائدة وذلك هو الأنثيان فلذلك ينفذ إليهما العرقان.

قوله: وما يأتي من الأنثيين من الكلية وفيه المجرى الذي ينضج فيه المني بعد احمراره ولكثرة معاطف عروقه وعروق الكلى كما عرفته كثيرة المائية فلذلك يكون فيها دم كثير الرطوبة فيكون ذلك الدم كثير الاستعداد والاستحالة إلى المنوية وذلك إذا خالطه ما يحيله إلى طبيعة المني.

وقد بينا في غير هذا الكتاب أن الأصل في المني والخميرة فيه هو ما ينزل من الدماغ وهذا النازل من الدماغ يخرج من الدماغ في العروق التي عند السحا وتنفذ تلك العروق إلى عظام الصلب فيجري فيها المني مصاحباً للنخاع ليبقى في تلك المنافذ على مزاجه، وهو في الدماغ، ولا يزال ينفذ إلى أسفل حتى ينتهي إلى هذين العرقين فينفذ فيهما، وتحيل ما فيهما من الدم إلى طبيعة المني فلذلك هذان العرقان، وليسا لتغذية الأنثيين فقط بل ولأن يستحيل كثير من الدم الذي فيهما إلى طبيعة المني، وتكمل استحالته إلى ذلك إذا حصل في الأنثيين.

وقد قال الإمام الفاضل أبقراط: إذ نزل المني ووصل إلى مخ عظم الظهر تميز فيه، ثم ينزل في مجار له في الكليتين أعني التي لا تنزل إلى أسفل ولكنها تصعد إلى الكبد، وهي التي إن أصابها شيء من الأوجاع يسيل منها دم، وقوله: التي لا تنزل إلى أسفل يعني التي لا تتعدى الأنثيين إلى أسفل كمالتي تنفذ إلى جهة الرجلين. وقوله: وهي التي إن أصابها شيء من الأوجاع يسيل منها دم، يريد بذلك أن هذه العروق فيها يستحيل الدم إلى طبيعة المنى فإذا عرض له شيء من الأوجاع أي من الأمراض يسيل منها دم عند الإنزال أو يكون ما ينزل حينئذٍ دموياً، وذلك لأجل قصور استحالة الدم الذي فيها إلى المنوية لأجل ضعفها بذلك المرض ولذلك يعرض أيضاً لمن استكثر الجماع أن ينزل منيه دموياً لأنه ينزل حينئذٍ ما لا يكون قد استحكمت استحالته إلى المنوية والله ولي التوفيق.

البحث الثاني الأجوف النازل من حين ما يتوكأ على عظم الصلب إلى أن ينتهي إلى الرجلين قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وبعد نبات الطالعين وصنعتهما يتوكأ الأجوف ... إلى قوله: وما يبقى من هذا باقي.

الشرح

طور بواسطة نورين ميديا © 2015