فذكر الضمير في "يصفق" حيث أراد ماء بردي وقد جاء قوله عز وجل: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون} (?). على ما للثابت والمحذوف جميعًا.
* * *
قال الشارح: قد أعربوا المضافَ إليه بإعراب المضاف؛ لوُقوعه موقعَه، ومُباشَرتِه العاملَ، نحو قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (?). فاَلأصلُ: فاسألْ أهلَ القرية، "فالقريةُ" مخفوضةٌ، كما ترى، بإضافة "الأهل" إليها. فلمّا حُذف المضاف، أقيم المضاف إليه مُقامَه، فباشَرَه العاملُ، فانتصب انتصابَ المفعول به، وإن لم يكن إياه في الحقيقة.
كذلك أعطوه حُكْمَه في غير الإعراب من التأنيث والتذكيرِ، فمن ذلك قولُ حَسّانَ بن ثابت [من الكامل]:
يَسْقُونَ مَن وَرَدَ البَرِيصَ ... إلخ
الشاهد فيه تذكيرُ الضمير الراجع إلى "بَرَدَى"، وهو مؤنّثٌ. ألا ترى أن ألفه كألفِ "حَمْراءَ"، و"بَشَكَى" (?). وهذا البناءُ لا تكون ألفُه إلَّا للتأنيث، هذا ظاهرُ اللفظ، ويجوز أن يكون المضمرُ عائدًا إلى المحذوف، وهو الماء، فيكون المحذوف مُرادًا من وَجْهٍ، وغيرَ مراد من وجه. فمن جهةِ عَوْدِ الضمير إليه كان ملحوظًا مرادًا، ومن جهةِ الإعراب غيرَ مراد. والبَرِيصُ هاهنا: موضعْ بِدِمَشْقَ بالصاد المهملة. وبَرَدَى: نهرٌ بها. وتصفيق الشراب: تحويلُه من إناء إلى إناء. والرحيقُ: صَفْوَةُ الخمر. والسلْسَلُ الطيبُ. يقال: "ماءٌ سَلْسَلٌ"، أي: سَهْلُ المَشْرَب عَذْبٌ.
وأما قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} (?) فالمراد: وكم من أهلِ قرية، ثم حُذف المضاف، وعاد الضميرُ على الأمرَيْن، فأُنث في قوله: "فجاءها بأسُنا"