قال الشارح: قد أُبدلت الياء من حروف صالحةِ العدة على سبيل الشذوذ، ولا يقاس عليه، ونحن نسوق الكلام على حسب ما ذكره. من ذلك قولهم: "أَمْلَيْتُ الكتابَ"، قال الله تعالى: {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (?)، والأصل: "أَمْلَلتُ". وقال الله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} (?). والوجهُ أنّهما لغتان, لأنّ تصرُّفهما واحدٌ، تقول: "أَمْلَى الكتابَ يُمْلِيه إمْلاءً، و"أمَلَّهُ يُمِلُّهُ إمْلالًا"، فليس جعلُ أحدهما أصلاً والآخر فرعًا بأولى من العكس، وقالوا: "قَضيتُ أَطفارِي" حكاه ابن السِّكيت في "قصّصتُ"، أبدلوا من الصاد الثالثة ياء لثقل التضعيف، ويجوز أن يكون المراد "تَقَصَّيْتُ أظفاري" , أي: أتيتُ على أقاصيها, لأنّ المأخوذ أطرافها، وطرفُ كلّ شيء أقصاه.
وقالوا: "لا وَرَبِيك لا أفعلُ" يريدون: "لا وَرَبَّك"، فأبدلوا من الباء الثانية ياءً لثقل التضعيف. وقالوا: "تَسَرَّيتُ"، وأصله "تَسَرَّرْتُ" "تَفَعَّلْتُ" من "السَّرْ"، وهو "النَّكاح"، وسُمّي النكاح سِرًّا، لأنّ من أراده استتر واستخفى، و"سُرِّيَّةَ": فُعْلِيَّةُ منه، فأبدلوا من الراء الثالثة الياء للتضعيف. وقال أبو الحسن: هو فُعْلِيَّةُ من "السرور"، وذلك أنّ صاحبها يُسَرّ بها.
وقالوا: "تَظَنَّيْتُ"، وأصله "تَظَنَّنْتُ"، و"التظَنِّي": إعمالِ الظنّ، وأصله "التَّظَنُّن"، فأبدلوا من إحدى نوناته الياء لثقل التضعيف، وقالوا في قوله تعالى: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} (?): أصله لم يَتَسَنَّنْ، من قوله تعالى. {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} (?)، أي: متغيَّر، فأبدل من النون الثالثة ياءً، ثم قلبها ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها، فصار "يَتَسَنَّى"، ثمّ حذف الألف للجزم، فصار اللفظ: "لم يَتَسَنَّ". هذا قول أبي عمرو، وقيل: هو من "السَّنَة"، ومعناها أي: لم تُغَيِّرْه السنون بمرورها، وذلك على قول من قال: "سَنَةٌ سَنْواءٌ وسَنَواتٌ". ومن قرأ: