أي: كائن من ماء الحديد.
فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، لقيل: "بَيضاءُ"؛ لأنه من صفة "الجارية"؟ قيل: إنما قال: "أبيض"؛ لأنه أراد: في درعها الفضفاض جسدٌ أْبيضُ، فارتفاعُه بالابتداء، والجارُّ والمجرور قبله الخبرُ، والجملة من صفة "الجارية".
وإنما اختاروا النقل بالهمزة في التعجّب, لأنها أكثرُ في النقل، ولزم هذا اللفظُ الواحدَ، ولم يتجاوزوا إلى غيره، وإن كان غيره مستعملًا في باب النقل، وذلك حين مُنع فعله من التصرّف، وإن كان أصله التصرّف. وهذا معنى قوله: "وفي لسانهم أن يجعلوا لبعض الاْبواب شأنًا ليس لغيره لمعنًى". وذلك نحوُ: "ما"، و"لا"، و"لاتَ" ألا ترى أنّ "ما"، و"لا"، و"لاتَ" تُشبَّه بـ "لَيسَ"، فتعمل عملَها من رفع الاسم ونصب الخبر، كما أنّ "لَيسَ" كذلك، فلم يتصرّفوا في "ما" كتصرّفهم في "لَيْسَ"، فمنعوا من تقديم الخبر على الاسم فيها، ومن دخولِ "إلَّا" على الخبر، وقصروا "لا" على العمل في النكرة دون المعرفة، وقصروا "لاتَ" على العمل في الأحيان دون غيرها، وإن كان مجرى الجميع في الشبَه واحدًا، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وأما "أكرم بزيد", فقيل: أصله: "أكرم زيدٌ", أي صار ذا كرم، كـ "أغد البعير" أي: صار ذا غُدة، إلا أنه أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أخرج على لفظ الخبر ما معناه الدعاء في قولهم:"رحمه الله". والباء مثلها في "كفي بالله", وفي هذا ضرب من التعسف. وعندي أن أسهل منه مأخذاً أن يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيداً كريماً، أي بأن يصفه بالكرم, والباء مزيدة مثلها في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم} (?) للتأكيد والاختصاص، أو بأن يصيره ذا كرم, والباء للتعدية. هذا أصله, ثم