فيلاحظ هذه الحكمة العظيمة التي عجزت الأمم، وعجز حكماء العالم وعقلاؤه أن يأتوا بأحكم منها، وكيف يأتون بأحكم منها وكلها مبنية عَلَى قاعدة التوحيد، فأعظم ما نهى الله تَعَالَى عنه وجعله من الحكمة في هذه السورة وفي غيرها هو الشرك.
فمن وحّد الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وترك الشرك فهذا عَلَى قاعدة الحكمة، فإذا أتبع ذلك بالإحسان إِلَى الوالدين وبترك الفساد، وترك قتل الأنفس وترك الكبر وترك أكل أموال اليتامى، وكل ما نهى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وحذَّر منه، فإنه من أهل الحكمة، والمتمسكين بها، وهو حكيم، وإن كَانَ أمياً عامياً، لا يفقه شيئاً مما يسميه الحكماء حكمةً أو فلسفةً أو علماً أو أخلاقاً، أو ما أشبه ذلك، ولهذا عقّب الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى هذا فقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ أي: كل ما تقدم النهي عنه في هذه الآياتكَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:38] .
فالله عَزَّ وَجَلَّ نهى عنه وهو يكرهه وإن كَانَ الله يشاء وقوعه، ثُمَّ يقول: [وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] هذا الحديث في الصحيحين فقوله: (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ] .
هذا الحديث في الصحيحين فقوله: (إن الله كره لكم ثلاثاً) أي ثلاث خصال كرهها الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، والمؤمن إذا علم أن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى كره شيئاً فإن عليه أن يجتنبه، لأن هذا الأمر هو مما لم يشرعه الله بل نهى عنه وشرع ضده، وقوله: (كره لكم ثلاثاً، قيل وقال) .
ولكن واقع أكثر الْمُسْلِمِينَ اليوم أنهم مشتغلون بالقيل والقال من حق أو باطل، ويفسر ذلك قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وهل يكب النَّاس في النَّار عَلَى مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) ، فهذا هو القيل والقال.