قَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) .
فمضمون هذا الحديث هو نفس رواية حديثسهل المتقدم بزيادة البُخَارِيّ رضى الله تَعَالَى عنه وهي قوله: (إنما الأعمال بالخواتيم) .
أنواع الكتابة
والمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يريد أن يثبت لنا في هذا الحديث مرتبة العلم والكتابة، ولهذا ذكر ذلك فقَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ... ) إِلَى أن قال: (ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله..) .
فالمقصود إذاً هو الكتابة، وهي كتابة فردية لنفس الفرد، والكتابة الكونية: هي أول ما خلق الله القلم فَقَالَ له: اكتب، فكتب مقادير كل شيء وعرشه عَلَى الماء، فالكتابة الكونية كتابة تتعلق بالكون كله، وأما الكتابة في هذا الحديث فهي الفردية، والكتابة الكونية تتضمن الفردية لا العكس، ففي ذلك اللوح كتب شأن كل إنسان.
ولهذا قال من قال من السلف في قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون [الجاثية:29] قَالَ: [وهل يكون النسخ إلا من أصل] أي: الملائكة تطابق عَلَى ما في اللوح المحفوظ، فتستنسخ ذلك، وما تنسخه من اللوح المحفوظ هو ما يفعله العباد تماماً، وما محي من ذلك فليس في الأصل، وهو أم الكتاب يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] .