ثُمَّ أنه حدث في هذه الأمة ما حدث في غيرها، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لتتبعن أو لتركبن سنن من كَانَ قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه} وفي رواية: {حتى لو أن أحدهم أتى امرأته عَلَى قارعة الطريق لفعلتموه} .
نعم هذه مصيبة ابتليت بها هذه الأمة كما ابتلي غيرها من الأمم من قبلها، وقد ظهر الجدال في القدر في الأمم التي قبلنا عند النَّصَارَىواليهود واليونان والهنود فكانوا بين جبرية وبين قدرية منكرين، وكان الغالب عَلَى النَّاس -كما هو الحال اليوم- الجبر والاعتراض والاحتجاج بالقدر عَلَى الشرع.
أما النفي المطلق فلا ينفي القدر نفياً مطلقاً إلا الشواذ في جميع العصور؛ لكن وقع الخلاف فيمن كَانَ قبلنا وكذلك في هذه الأمة، وهذا أراده الله وقدره، ولم يقع الخلاف في القدر في عصر الخلفاء الراشدين، وإنما وقع بعد ذلك، والذين أدركوا القدرية هم صغار الصحابة الذين كانوا في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحداثاً مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأمثالهما.
فلما ظهرمعبد الجهني في البصرة، وأنكر القدر جَاءَ التابعون إِلَى أصحاب رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسألونهم، فسألوا ابن عمر وسألوا ابن عباس، وظهرت مقالة القدر في موضعين: البصرة ودمشق، وظهر في البصرة أمر آخر هو الغلو في التعبد "التصوف". فالصوفية الأوائل ظهروا في البصرة.
وأبعد البيئات عن البدع هي بيئة مكة والمدينة لوجود أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهما بكثرة، ولأنها بعيدة عن فلسفات الهند واليونان، وبعيدة عن ضلالات اليهود والنَّصَارَى فهي بيئة نقية صافية.