لما بعث الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى نبينا محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الدين العظيم وبين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنا ديننا؛ كَانَ من أعظم ما بينه الله في كتابه وما بينه رسوله مسألة القدر، فآمن بها صحابته الكرام والسلف الصالح، وكان لهذا الإيمان الأثر العظيم في طاعتهم لربهم وفي جهادهم في سبيل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وفي تمسكهم بكتاب الله، وصبرهم عَلَى الشدائد والمحن.
فكان أحدهم يؤمن بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، كما أمرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يقولوا للمنافقين الذين يشمتون بهم إذا أصيبوا قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا [التوبة:51] فكان هذا شأنهم لما آمنوا بهذه الحقيقة لا يعصون الله من أجل شيء من الدنيا؛ لأنهم يؤمنون أن ما كتب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للعبد من رزق فإنه آتيه، وما لم يكتبه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فلا يأتيه أبداً، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن روح القدس نفث في روعي -أي: ألقى في نفسي- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقو الله وأجملوا في الطلب) .
فالإِنسَان يحتاج وقد يطلب ولكن يطلب طلباً جميلاً، أما الإلحاف فليس هذا من شأن المؤمنين، وليس هذا من أدب المتقين في السؤال، فقد كَانَ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أعظم النَّاس فهماً لحقيقة القدر، وأدركوا وعرفوا أن الإيمان بالقدر والتوكل عَلَى الله يدفع المؤمن إِلَى العمل الصالح، وإلى الاجتهاد في طاعة الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولم تكن تأخذهم في لله لومة لائم ولا يهابون في الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أحداً كائناً من كَانَ؛ فألقى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الرعب في قلوب أعدائهم لما امتلأت قلوبهم بمهابة الله وخوفه والتوكل عليه.