فلو تأملنا مجموع الطرق لوجدنا أن الأربعة مرجعهم إِلَى فقدان العقل والإحساس، وهذا يشمل المعتوه والأصم والأبكم، وأنهم ليس لديهم الحاسة التي يستطيعون بها أن يعلموا.
وصاحب الفترة يقول: يا رب ما سمعت ببني قط، وما وصلت إليَّ رسالة رَسُول قط، فهَؤُلاءِ الأربعة يمتحنهم الله في عرصات القيامة، بأن يوقد النَّار أو يخرج لهم لسان من النار، ويقول لهم: ادخلوها، فإن دخلوها كانت برداً وسلاماً عليهم، وإن عصوا وأبوا ألقوا فيها.
والاستدال عَلَى هذه القضية يأتي من وجهين:
الوجه الأول: هو هذا الذي ذكرناه من الطرق والأحاديث والروايات.
والوجه الثاني: أن الامتحان والابتلاء ليس خاصاً بهذه الحياة الدنيا، فإن الإِنسَان يمتحن في البرزخ، ويدل له حديث القبر. وفيه:
فيقال له: من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
وفي يَوْمِ القِيَامَةِ امتحانات، ومن ذلك أن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يتجلى لعباده المؤمنين في صورة غير الصورة التي يعرفون ليمتحنهم بذلك في الموقف المهيب كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، لذلك فمن جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وقال: يا رب لم تبلغنِ الدعوة لم يأتنِ الرَّسُول.
وقد قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح (لا أحد أحب إليه العذر من الله) فقد أعذر إِلَى النَّاس وأقام عليهم البينات، ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، فإذا جَاءَ هَؤُلاءِ واشتكوا إِلَى ربهم وَقَالُوا: ما أتانا من رَسُول، وما جاءنا من نذير، فمن حكمة الله وعدله ورحمته التي وسعت كل شيء أنه يمتحنهم، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فإن الذي يدخل الجنة، أو الذي يدخل النَّار، سواء كَانَ امتحن في الدنيا أو امتحن في الآخرة، فإنه لن يدخل أحد الدارين إلا بما عمل بإرادته واختياره.