هذا الحديث إذا أراد تعليم المأمومين أن يصلي على موضع مرتفع ليروه ويتعلموا صلاته. وقال بعض أصحابنا إنما نهى مالك عن صلاة الإِمام مرتفعًا على أصحابه لأن بني أمية فعلوه على وجه الكبر، والجبرية. فرآه من العبث ومما يفسد الصلاة. وذهب سحنون ويحيى بن عمر إلى إجازة الائتمام إذا ضاق وموضع الإِمام على المأمومين. وقال فضل ابن مسلمة: تعليله بأنهم يعبثون يشير إلى قصر المنع على موضع واسع يمكن أن يصلي مع الإِمام فيه غيره. وكذلك أيضًا ذهب بعض الأشياخ إلى صحة الصلاة إذا كان مع الإِمام قوم في مكانه المرتفع. وكأنه رأى أنه لما لم يختص بالارتفاع صحت صلاة الأسفلين.
فإن قيل قد قال مالك لا يعجبني أن يصلي الإِمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك. وهذا خلاف لما ذكرتموه عن بعض الأشياخ.
قيل: محمله عندي على أنه إنما كره ذلك لكون الأسفلين لا يرونه وقد قدمنا وجه كراهة الائتمام بمن لا يرى. وقد ذكرنا قول ابن حبيب في إمام السفينة يصلي فوقها ومعه قوم وفي أسفلها قوم يصلون معه، إن الأسفلين يعيدون في الوقت. وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا ليس برد لقول من قال بجواز الائتمام بإمام مرتفع وشاركه في الارتفاع قوم لأن ابن حبيب إنما اعتبر في ذلك كون المأمومين لا يمكن لهم مراعاة فعل الإِمام. وقال بعض أشياخي إذا صلى رجل في موضع مرتفع لنفسه فأتى رجل فائتم به فإن صلاتهما تصح. وكأنه رأى أن افتتاحه لنفسه يشعر بعدم قصده العبث والكبر. وإن كان قد قيل لبعض الأشياخ لِمَ لم يمنع كون الإِمام تحت المأمومين لعلوهم عليه؟ وهلا كان هذا من العبث أيضًا؟ فقال حال الإمامة تشرف حال الارتفاع فلا يظن بهم قصد العبث. وأشار إلى أنهم لو قصدوا العبث لأعادوا. وقال وأما علو الإِمام عليهم فلا يراعى فيه القصد لأنه فعل قديمًا كبرًا وتجبرًا فتحمى الذريعة فيه ويجري المقاصد وغير المقاصد مجرى واحدًا. وكأن هذا إشارة إلى ما قاله شيخنا وما حكيناه عن سحنون من إجازة ذلك إذا ضاق الموضع بالإمام. وعن بعض الأشياخ في صحة الصلاة إذا شاركه بعض المأمومين في الارتفاع، يشير إلى صحة ما قاله شيخنا