جهات وقوع الكلام، فلأصحابنا أن يتاولوا ما تعلق به المخالف على كلام العمد ويمنعوا من القياس في صلاة قطعت برعاف أو قيء على صلاة لم تقطع برعاف أو قيء. وأما أصحاب إبي حنيفة فإنهم تأولوا حديث ذي اليدين (?) على أنه إنما جرى الأمر فيه كذلك لكون الكلام في الصلاة مباحًا حينئذٍ. وقد رد هذا عليهم بان راوي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه. وهو ممن أسلم بالمدينة.
وتحريم الكلام في الصلاة كان بمكة. وأجابوا عن هذا بأنه قد يكون رواه عن غيره وأرسل الحديث. وقد جرى ذلك لأبي هريرة رضي الله عنه في حديث آخر. وقد قال بعض من أنكر إبطال الصلاة بالكلام سهوًا: إن موارد الشرع تنقسم إلى مأمور به ومنهي عنه. فالمأمور به إذا لم يفعل بقيت على المكلف عهدة الامتثال. والمنهي عنه إذا ركب فإنما في ركوبه انتهاك الحرمة، والاجتراء على النواهي. وهذا المعنى إنما يتحقق مع القصد والعمد. والمتكلم على جهة النسيان غير منتهك للحرمة ولا مجترىء على الشرع فلا وجه لإبطال صلاته بكلامه. هذا ولأن القارئ لو جرى في خلال قراءته تغيير حرف من حروف القرآن أو إبداله حتى يكون كالمتكلم لم يمكن أن يقال بإبطال صلاته. وقد تعلق المخالفون لهذا المذهب بان الحدث يستوي سهوه وعمده في نقضه للصلاة، فكذلك الكلام يجب أن يستوي سهوه وعمده في نقض الصلاة. وقوإنفصل عن هذا بأن الحدث مباح لا حرام فيه بخلاف الكلام. وهو ناقض للطهارة بعينه فوجب أن ينقضها كيفما تصرفت به الحال. مع أن التحقيق فيه أنه ليس بناقض لها على الحقيقة. إذ لو كان كذلك لسرى النقض إلى ما قبل الحدث حتى تبطل الصلاة من أولها. وإنما التحقيق فيه أنه أجلها ومنتهاها. والآجال والنهايات لا يختلف حكمها باختلاف الحالات. وأما أبو حنيفة فإنه إنما استثنى السلام من أنواع الكلام لأن السلام شرع في الصلاة وأمر به عند التحليل منها. فإذا وقع في غير حينه محمدًا أبطل الصلاة. وإن وقع في غير حينه على غير عمد لم يبطل الصلاة. لأن قصارى ما فيه قصد التحليل نسيانًا، والقصد من أفعال القلوب.
ومثل هذا الفعل من أفعال القلوب لا يثمر إبطالًا لكونه غير مقصود للتعدي فيه.