ما نزل في غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم: ثُمَّ ذَكَرَ غِرة قُرَيْشٍ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، إذْ قَالُوا {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} أَيْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} كَمَا أَمْطَرْتهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ {أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 27] أَيْ بَعْضِ مَا عَذَّبْتُ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُهُ، وَلَمْ يُعَذِّبْ أُمَّةً وَنَبِيُّهَا مَعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا. وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَذْكُرُ جَهَالَتَهُمْ وَغِرَّتَهُمْ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، حِينَ نَعَى سُوءَ أَعْمَالِهِمْ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنَّا نَسْتَغْفِرُ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، ثُمَّ قَالَ {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} وَإِنْ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ كَمَا يَقُولُونَ {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : أَيْ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَعَبْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ اتَّبَعَكَ، {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ حُرْمَتَهُ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ بِكَ {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ} الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُمْ {إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ. وَالتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ. قال عنترة بن عَمرو بن شَدَّادٍ العبْسي:
ولرُبَّ قِرْنٍ قَدْ تركتُ مُجَدَّلًا ... تَمكُو فريصتُهُ كشِدْقِ الأعْلمِ1
يَعْنِي: صَوْتَ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الطَّعْنَةِ، كَأَنَّهُ الصَّفِيرُ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الطِّرِمَّاح بْنُ حَكِيمٍ الطَّائِيُّ:
لَهَا كلَّما رِيعت صَداة ورَكْدةَ ... بمُصْدَانِ أعلَى ابنَي شَمامِ البَوائنِ2
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَعْنِي الأرْوِية، يَقُولُ: إذَا فَزِعَتْ قَرَعَتْ بِيَدِهَا الصَّفاةَ ثُمَّ رَكَدَتْ -تَسْمَعُ صَدَى قرعها بيدها الصَّفاة- مثل التصفيق. والمُضْدان: الحِرْز وابنا شمام جبلان.