فحيتنا على السجط، وَشَكتْ إِلَى سَعَادَة مقدمنا معرة الْقَحْط، فظهرت مخيلة السعد، فَأذن الله فِي إنجاز الْوَعْد، وَقربت غَرِيم الْغَمَام فِي الْمقَام أعوان الرَّعْد، فاعترف وسمح، وانقاد لحكم القضا بعد مَا جمح. وَلم يلم بكيف وَلَا حَتَّى، وقضاها الدّين فِي دفع شَتَّى، هَذَا وَإِن كَانَ إِنَّمَا كَانَ غرم، وأمده كَاد أَن ينصرم، فبمنفعته يحول الله كبرى، وَفِيه مآرب أُخْرَى، فتنفس صدر الجو وَزفر، وقطب وَجهه بعد مَا سفر، وهما الْغَمَام وانسكب، وارتكب من إيراطنا مَا ارْتكب، فَلم تَجف لَهُ قَطْرَة، وَلَا خطرت بِبَالِهِ للصحو خطرة، فسبحنا ذَلِك الْعَارِض الهطال، وسهرنا اللَّيْل وَقد طَال، وَمَا رَاعنا وَالصُّبْح قد نم من خلف الْحجاب، وَقَضيته قد انْتَقَلت من النَّفْي إِلَى الْإِيجَاب، والغمام لَا يفتر انسكابه، إِلَّا السُّلْطَان مدَار قل ركابه فضربنا بالقباب وَجه الصَّعِيد واستقبلنا طية الْغَرَض الْبعيد نهيم فِي ذَلِك الْوَادي، ونكرع من أطواقنا فِي غُدْرَان العوادي، وَقد تهدلت القروع، وخضلت بالغيث تِلْكَ الزروع، كَأَنَّمَا أخلفتها الرّيح، فترامت، وسقتها كؤوس السحب حَتَّى سكرت ونامت، والمذانب أَمْثَال الصلال [قد تفرعت] وكأنما رعناها فانسابت أمامنا وأسرعت، ومخيلة الصحو لَا تتوسم، والجو نستضحكه بشأننا فَلَا يبتسم، ومررنا بوادي المنصورة الَّتِي ينْسب الْوَادي إِلَيْهَا وَعرضت مراكب تياره بَين يَديهَا، وأطلالها بالية، وبيوتها خاوية خَالِيَة، ومسجدها بَادِي الاستكانة، خاضع للبلى على سمو المكانة، فعبرنا واعتبرنا، وأبصرنا فاستبصرنا، وَقَول أبي الطّيب تذكرنا:
(أَيْن الَّذِي الهرمان من بُنْيَانه ... مَا قومه مَا يَوْمه مَا المصرع)
(فَتخلف الْآثَار عَن أَصْحَابهَا ... حينا ويدركا البلى فتتبع)
ثمَّ نَبَذْنَا ذَلِك الْوَادي بالعراء، واستقبلنا أَرضًا شَبيهَة بالصحراء، ملاعب