شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع فمعناه في بعض الفروع خاصة، وهذا المعنى هو الذي يقصده الأصوليون بقولهم شريعتنا ناسخة لجمِيع الشرائع (?)، فدعوة الرسل واحدة والمنبع واحد والمصدر والمنهج واحد والرسل كلهم لبنات متصاعدة مرتبة لا تناقض في رسالاتهم ولا تنافر بل تعاضد وتضافر.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى بأن تكون هذه الشريعة هي الخاتمة، فجاءت شمولية في المنهج والنظام تفي بجميع مصالح البشرية في كل زمان ومكان، صالحة حتى تقوم الساعة، يجد فيها كل فرد حاجاته وكذلك الأسرة والمجتمع، فهي ملائمة للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها.
والذي خلقهم هو أعلم بهم فشرع لهم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (?) سبحانه وهو القائل {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (?)، فمن أراد بعد هذا من البشر أن يضع شرعًا فليخلق له خلقًا جديدًا يلائم تشريعه، وأنى له هذا، وأين يذهب أصحاب القوانين الوضعية الذين تركوا الشريعة الخالدة وما يدريهم أن سعادتهم فيها، فأغواهم الشيطان فزعموا أن التشريعات الوضعية هي المناسبة لروح العصر فطرحوا أحكام الشريعة ونور الله وهداه، اللهمّ اهدِنا إلى طريق الحق وإلى صراط مستقيم، وأعد لهذه الأمة أمر رشدها وعزها، يا عزيز، إنك على كل شيء قدير.
اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا وعلى وقوعه سمعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني (?)، فإنه منع وقوع النسخ سمعًا وجوز وقوعه