أسبق منه وجودًا، ويؤدي به إلى ما بعده، فهو منفعل لما فوقه، وفاعل لما دونه، وهو منفعل بالحقيقة وفاعل بالمجاز والإضافة، فيكون مبدأ الفاعل من فاعل لا ينفعل كغيره البتة ومنتهاها إلى منفعل لا يفعل البتة، وما بينهما فاعل فيما دونه، منفعل لما فوقه، ولما ذكرناه في هذا الباب قالت الحكماء: إن الباري- تعالى- مع كل شيء، وإنما أرادوا بذلك وجود آثار صنعته في الموجودات وسريان الوحدة منه، التي بها تكونت المحدثات، ولم يريدوا بذلك أنه يحل الأمكنة، ويقع تحت الأزمنة، أو يلتبس بشيء من العالم، تقدس عن ذلك وعلا علوًا كبيرًا.
وقد غلط قوم من الفلاسفة في هذا الموضع غلطًا فاحشًا فزعموا أن الباري- تعالى عن قولهم- صورة سيالة في العالم، ولهذا قال تالس: إن الله تعالى ناشب في الأشياء، وقال زينون: إن كرة العالم هو العالم تعالى، وأن المعلول هو العلة، وإنما حملهم على هذه الآراء الفاسدة ما رأوه من سريان الوحدة في الموجودات، وأن وجود كل شيء متعلق بوجود الباري تعالى، وسمعوا مع ذلك قول القدماء من الحكماء: إن الله- تعالى- مع كل شيء، فنتج لهم من ذلك هذا التوهم الخبيث، ولم