وإنما خصّ الشرع القطع بالسارق؛ لأن أخذ الشيء مُجاهرةً يُمكن أن يُسترجع منه غالباً، والخائن مكّنه ربّ الشيء منه، وكان ممكنًا منْ الاستيثاق بالبيّنة، وكذلك المعير، ولا يُمكن شيء منْ ذلك فِي السرقة، فبالغ الشرع فِي الزجر عنها.

وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى أن اليمنى تُقطع إذا وُجدت؛ لأنها الأصل فِي محاولة كلّ الأعمال. انتهى "المفهم" 5/ 70 - 71.

وَقَالَ فِي "الفتح": عند قول البخاريّ: "باب قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الآية [المائدة: 38]: ما نصّه: كذا أطلق فِي الآية اليد، وأجمعوا عَلَى أن المراد اليمنى إن كانت موجودة، واختلفوا فيما لو قُطعت الشمال عمدا أو خطأ، هل يجزىء، وقدم السارق عَلَى السارقة، وقدمت الزانية عَلَى الزاني؛ لوجود السرقة غالبا فِي الذكورية، ولأن داعية الزنا فِي الإناث أكثر؛ ولأن الأنثى سبب فِي وقوع الزنا، إذ لا يتأتى غالبا إلا بطواعيتها.

وقوله بصيغة الجمع، ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق، فلوحظ فيه المعنى، فجمع، والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما.

والسرقة -بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكانها، ويجوز كسر أوله، وسكون ثانيه-: الأخذ خفية، وعُرفت فِي الشرع بأخذ شيء خفية، ليس للآخذ أخذه، ومَن اشترط الحرز وهم الجمهور، زاد فيه: "منْ حرز مثله"، قَالَ ابن بطال: الحرز مستفاد منْ معنى السرقة، يعني فِي اللغة.

ويقال لسارق الإبل: الخارب -بخاء معجمة- وللسارق بالمكيال: مطفف، وللسارق فِي الميزان: مخسر فِي أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه فِي "كتاب ليس".

قَالَ المازري، ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها، منْ الانتهاب، والغصب، ولسهولة إقامة البينة عَلَى ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها؛ ليكون أبلغ فِي الزجر، ولم يجعل دية الجناية عَلَى العضو المقطوع منها، بقدر ما يقطع فيه؛ حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفي ذلك إشارة إلى الشبهه التي نُسبت إلى أبي العلاء المْعَرَيِّ فِي قوله [منْ البسيط]:

يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ

فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله [منْ البسيط أيضًا]:

صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا ... صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي (?)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015