وقد كتب الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "التمهيد" بحثًا نفيسًا فيما يتعلّق بالعزلة، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، وهاك خلاصته:
قال- عند شرح حديث الباب-: ما حاصله: في الحديث حضّ على الانفراد عن الناس، واعتزالهم، والفرار عنهم. قال: وقد فضّلها رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -كما ترى، وفضّلها جماعة العلماء والحكماء، لا سيّما في زمن الفتن، وفساد الناس، وقد يكون الاعتزال عن الناس مرّةً في الجبال والشعاب، ومرّةً في السواحل والرباط، ومرّةً في البيوت. وقد جاء في غير هذا الحديث: "إذا كانت الفتنة، فأَخْف مكانَك، وكُفَّ لسانك" (?). ولم يخصّ موضعًا من موضع. وقد قال عقبة بن عامر - رضي اللَّه عنه - لرسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - ما النجاة يا رسول اللَّه؟ فقال: "يا عقبة أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (?). وبمثل هذا أوصى ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - رجلًا، قال له: أوصني.
ثم أخرج أبو عمر بسنده أنّ ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - أُهدي له طائرٌ، فقال: وددتُ أني حيث صِيد هذا الطائر، لا يكلّمني أحدٌ، ولا أكلّمه.