وإذن فلسنا نستطيع أن نخرج من هذا اليقين الأولي إلا بيقين عكسي، أي: إنه يجب أن نستنفد كل الفروض المعقولة لمصلحة المتهم، وألا ندينه هكذا اعتباطًا، على حين يمكن أن تثبت براءته بسبب صحيح1.

وإليك الملاحظة الثالثة والأخيرة، التي تمس أساس المشكلة ذاته، فنحن إذا أكدنا أن التشريع الإسلامي لا يسعى إلى كشف الجرائم الخاصة، وأنه لا يلزم أحدًا، ولا يدعوه أن يعترف بها -لم يكن هذا القول كافيًا، فالحقيقة هي أن المصدرين الرئيسين للتشريع الإسلامي لا يكتفيان هنا بمجرد الامتناع، وإنما يتخذان موقفًا واضحًا وصريحًا. فالقرآن يحرم علينا صراحة أن نستطلع أسرار إخواننا، فقال سبحانه وتعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا} 2، وهكذا يقطع نصف الطريق على الواشين. وليس يخضع للقضاء سوى الرذيلة التي تتفشى، وتعرض نفسها، وتتحدى، أما حالة الإنسان الذي يستتر، وترتعد فرائصه حين يخضع لأهوائه، وهو الواقع الذي لا ينكشف لنا، لا بذاته، ولا بوساطة صاحبه فإنه سوف يكون من اختصاص محكمة أخرى غير محكمة البشر، والطريقة التي سوف يحاكم بها تتجاوز معرفتنا الراهنة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" 3، وحتى لو أنني فاجأت أحدًا من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015