أهمية إعطاء الأزمات والمحن حقها

فإننا اليوم نعيش في أزمة ومحنة لا يعملها إلا الله عز وجل، ولو قلت: إنه منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى اليوم لم يطرق ناموس هذا العالم مثل هذه المصائب الضخمة الهائلة التي تحيط بالمسلمين من كل مكان إن مثل هذه المعاناة التي نجدها اليوم توجب علينا -أيها الإخوة- وإن لم يكن المقام مقام الحديث عن هذه الأزمة، فلها حديث مفصل ومطول، وربما بعض المقالات والكتابات التي كتبت حول قضية التوظيف الإيجابي للأحداث، أو حول واجب الوقت، فيها بعض الإشارات إلى ما يجب علينا أن نعمله: أن نوحد صفوفنا، وأن نتقارب فيما بيننا، وأن نهدئ من عوامل الفرقة والانشقاق في وجودنا وفي أشخاصنا وفي حياتنا، إن الله تعالى يقول: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46] .

إن من السخرية أن تهيمن على الحياة الإسلامية نظم غربية، وأن تبدأ القوى الإمبراطورية باحتواء المسلمين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؛ بينما نجد أن كثيراً من المسلمين يلتقطون كسرة خبز، ويتصارعون حولها في زاوية صغيرة، وكأنهم لم يشعروا بصخب الحياة وضجيجها من حولهم.

أيها الإخوة: لا أزيد على ما تعرفونه من معاناة المسلمين في أرض فلسطين من الصلف اليهودي، والعدوان الغادر، وقتل الرجال والنساء والصبيان والأطفال، وهدم المنازل، واستهداف الرجال بكافة وسائل القتل والاغتيال وسفك الدماء، لا تقتصر على أن يكون همك نفسك، اجعل همك واسعاً؛ همّ الأمة كلها، أشركهم في دعائك وإني لأدعو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانع أشركهم في دموعك أعطهم دموعاً تغرف من قلبك حينما ترى هذه المصائب التي تنزل بهم أشركهم في إمكانياتك وقدراتك، إن كان عندك شيء من مال، كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال صلى الله عليه وسلم: ولو بشق تمرة) .

أيضاً: اصنع الحياة، ولا تقتصر على مجرد معالجة الأزمة أو الوقوف معها اصنع الحياة ابن نفسك بناءً أخلاقياً علمياً تربوياً دعوياً اكتسب المهارات والمواهب والقدرات رب إخوانك وأولادك ومن حولك دعونا نصنع الحياة الإسلامية المستقرة، فإن هذه الأشياء المطلوبة من الأمر بالمعروف لا ينبغي أن تتوقف بسبب أزمة عابرة مرت بنا.

إنني أؤكد لك والله تعالى أعلم بالغيب: أنه ربما تكون الأيام المقبلة لا تختلف اختلافاً كبيراً جداً عن الأوضاع التي يعيشها الناس اليوم نعم، تتفاوت أشياء سوف تسوء وأشياء سوف تتحسن، سوف تأتي أمور صعبة، وأمور ربما تتحول إلى فرص، لن يكون كبير شيء في المستقبل إلا ما يصنعه الناس بجهودهم وصبرهم ومعاناتهم، وعليك ألا تفقد صبرك واتزانك وتفكيرك عليك أن تخطط، فإن عدوك إنما غلبك بالتخطيط وبُعد النظر، وألا تقبل الاستفزاز، بل وعليك ألا تسمح لهذه الأزمات أن تقلق راحتك أو تزيل سكينتك، أو تنقلك من هدوئك.

أقترح عليك أن تسعد وأنت نائم، وأنت صاح، وفي مأكلك ومشربك، ومع زوجتك ومع صبيانك، احضنهم وداعبهم واضحك معهم وعلمهم وتعلم منهم، ولا تظن أن هذا يتنافى مع صدق الإحساس بالمصيبة التي تنزل بالأمة، بل ربما هذا هو المناسب، ولهذا امتن الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1] في ظروف ومحن صعبة كان يواجهها صلى الله عليه وسلم، وكان الدين يواجه خطر الاستئصال أيضاً، ومع ذلك فإن انشراح الصدر وهدوء النفس وقرة العين والسكون هو أهم شيء من شأنه أن يجعل الإنسان يتصرف ويعمل بشكل صحيح.

أنتهي من هذه الكلمة المختصرة أيها الإخوة! وفي النفس حاجات إليكم كما هي، ولكن الوقت لا يسمح بأكثر من ذلك، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله أن يأذن بلقاءات أخرى.

وأشكركم أنتم أيها الإخوة! يا من حضرتم وتجشمتم العناء، واقتطعتم هذا الجزء من وقتكم، وإذ فعلتم ذلك فأدعو الله تعالى لكم جميعاً: اللهم أنزل على إخواننا من فضلك ورحمتك يا حي يا قيوم ما تلم به شعثهم، وتهدي به قلوبهم، وتصلح به شئونهم، وتهديهم به إلى ما تحب وترضى، اللهم أصلح نياتهم وذرياتهم، وارزقهم العلم النافع والعمل الصالح، واجمع قلوبهم على البر والتقوى، واجعلهم من ورثة جنة النعيم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015