مظهر ثالث من مظاهر جمود الإحساس، وعدم المشاركة مع المسلمين في مشاعرهم: وهو الهروب من مواجهة الواقع المر بشتى الحيل، فنحن كثيراً ما نتحايل لنهرب من واقع نعتقد أنه غير جيد، فأحياناً تجد بعض الناس يتكلم عن الواقع على أنه واقع جيد ومتفائل، وأنه لا داعي للاهتمام، وكثير من الناس يقولون: لماذا تهولون من الأمور؟ ولماذا تضخمون الأمور؟ المسلمون بخير، والأمور بخير، والناس لا يزالون بخير، ويبدأ يتكلم عن بعض الجوانب الإيجابية، المساجد ممتلئة بالمصلين الجوامع تمتلئ طلبة العلم موجودون.
يتكلم عن الجانب الذي نستطيع أن نقول: إنه جانب مشرق، وقد يبالغ في الكلام عن هذا الجانب ليقول لنا: ناموا ملء جفونكم وارتاحوا، فالإسلام بخير، ولا داعي للقلق الذي تشعرون به، لماذا يحدث هذا؟ من أجل أنه لا داعي أن نهتم أو نكترث، فالأمور بخير، إذاً ناموا ولا تستيقظوا.
وعلى النقيض من ذلك: تجد هذا الإنسان نفسه أحياناً عندما تأتي لتحدثه عن أوضاع المسلمين، والصعوبات التي يواجهونها، وقضايا الفقر والجوع والمرض، وقضايا التخلف، وقضايا سيطرة أعدائهم، وغير ذلك من المشاكل، يأتي ليقول لك: يا أخي، هذه أمور أكبر من إمكانياتنا، وأكبر من طاقاتنا، وأكبر من حجمنا، فلا داعي للتفكير فيها، هذه لا يمكن أن أقوم بها أنا أو أنت، هذه تحتاج أحد ثلاثة أمور: إما المسيح عيسى بن مريم ينزل من السماء، وإما المهدي الموعود الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، أو المجدد الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث على رأس كل مائه سنة، فيجدد لهذه الأمة أمر دينهم، أما أنا وأنت فأين نقع مما يريد المسلمون؟ لا حول لنا ولا قوة ولا طول.
وهكذا يبدأ يضرب على الوتر الآخر، أن مصائب المسلمين أكبر من أن نستطيع حلها.
إذاً هو يهرب من هذا الواقع، إما أن يهون الواقع، بحيث لا يحتاج إلى أن نصلحه، أو يضخمه بحيث لا نستطيع أن نصلحه، ومقصوده من هذا وذاك، أن يهرب بشتى الحيل من هذا الواقع.