وفي هذا القصص إلهام عظيم، لا يغفل عنه إلا من كان قلبه في تيه بعيد، هذا الإلهام هو أن سنة الله في عباده لا تتخلف، فالسنة التي جرت على قوم نوح، هي التي جرت على قوم موسى، وهي التي جرت على عاد، وثمود وعلى سائر الأمم، وهي التي جرت على العرب المكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهي التي جرت على المعاندين بعد الرسول عليه السلام، وهي التي تجرى اليوم على أعداء الله، وهي التي تجري غداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالسنة واحدة، فما هذه السنة؟ السنة أن الله تعالى جعل البقاء والعاقبة للحق، وجعل الزوال والضياع للباطل، وإن أجلب الباطل بخيله ورجله، وكثر أعوانه وهيلمانه وسلطانه، إلا أن الله تعالى قضى أن الباطل لا بقاء له، فإذا نظر المؤمن إلى هذا، عَلِمَ أن ما تقوم عليه الدول الكبرى والعظمى -كما يسمونها- التي تقوم على الباطل، وتنصر الباطل، وتجحد الحق، وتُلَبِّسُ على الناس، أن مصيرها إلى زوال، وأيقن يقيناً مثلما يوقن أن الشمس سوف تطلع اليوم، أن بناء الباطل إلى زوال، وإن مكنه الله تعالى عشرين أو ثلاثين أو ثمانين أو مائة سنة، فنحن نعلم أن هناك دولاً من الدول الرومانية، ومن الأمم السابقة، كان لها مكان ثم بادت واندثرت، وإن كانت عمرت من السنين ما شاء الله تعالى، فلا يُغتر بسطوة الباطل وطغيانه.