الأدلة التاريخية

النوع الثالث من الأدلة هي: الأدلة التاريخية، وخلاصة كلامي أو قصدي بالأدلة التاريخية: أننا تعلمنا أن الله عز وجل كلما ادلهمت الخطوب على هذه الأمة كتب لها الفرج، وهذه حقيقة تاريخية أو سنة إلهية، فعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، لحق به المشركون وتابعوه، وكان صلى الله عليه وسلم وحيداً طريداً فريداً، فلحق به سراقة بن مالك الجعشمي -والرواية في الصحيح- وساخت قوائم فرسه في الأرض.

المهم في رواية ذكرها الحسن البصري، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـ سراقة بن مالك: {كيف بك يا سراقة، إذا لبست سواري كسرى} الآن الرسول عليه السلام وحيد، ما معه إلا أبو بكر، وخارج من بلده، لا مال ولا أتباع ولا أصحاب ولا شيء، ومع ذلك يعد سراقة بن مالك -وكان كافراً يوم ذاك- يقول له: {كيف بك يا سراقة، إذا لبست سواري كسرى} قال: فلما أتي عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه، دعا سراقة فألبسه إياه.

وكان سراقة كثير الشعر في الساعدين، فقال: [[ارفع يديك، وقل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز والبسهما سراقة الأعرابي]] والحديث له طرق أخرى، أشار الإمام الحافظ ابن حجر في الإصابة إلى شيء منها.

مثل آخر، يؤكد لنا أن الأمة تتمرد على القيود، والسدود والحدود والأغلال، وكلما ادلهمت الخطوب جاء الله بالفرج من عنده: الأحزاب، قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب:10-11] في غزوة الأحزاب، الأعداء من فوقكم ومن أسفل منكم، ومن كل جهة، تحالف اليهود من الداخل مع المشركين من الخارج، ونجم النفاق، وضعف المؤمنون ضعفاً شديداً.

ومع ذلك اسمع هذه الرواية العجيبة، التي نقلتها من مسند أحمد وأصلها في البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: {أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، فعرضت لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول -عجزوا عنها- قال: فشكوناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فقال: أحسبه قال: ووضع ثوبه.

ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول، فقال بسم الله.

فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا} قصور الشام يراها من أثر ضربة المعول وهو في مكانه ذاك.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: {بسم الله، وضرب ضربة أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا.

ثم ضرب صلى الله عليه وسلم ضربة ثالثة، وقال: بسم الله، فكسر بقية الحجر وقلعه، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا} والحديث قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إسناده حسن وهو كما قال.

إذاً في شدة الأزمة، اليهود والمنافقون من الداخل، والمشركون من الخارج، مع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: الآن أعطيت كنوز كسرى وقيصر والمدائن، وغيرها من بلاد الروم والفرس وسواها.

في قضية التتار، لما جاء التتار إلى بلاد المسلمين كانت حادثة عظيمة، وانتشر الكلام والمشكلات، وتكلم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية تكلم في الفتاوى بكلام أدعوكم جميعاً إلى مراجعته، في (ج:28/440) وما بعدها.

كلام في غاية العجب، ومن خلال ذلك الكلام اكتشفنا ما هو الكلام الذي كان يجب أن يقال للناس في مثل هذه الأوقات، حتى يُطمئن قلوبهم، ويرسم أمامهم السبيل، ويزيل ما في نفوسهم من الخوف والهلع.

ويؤسفني أن أقول: لم يقم من بيننا -نحن طلبة العلم فيما أعلم- من قال مثل هذا الكلام الجزل القوي المتين الموفق الذي قاله شيخ الإسلام، وهو كلام طويل يمتد من ص (440-467) لا أستطيع أن أقرأ عليكم منه إلا نتفاً يسيرة، يقارن فيها ابن تيمية حال التتار لما غزوا الشام، مع حال الأحزاب لما غزوا المدينة.

ذكر تحزب الأحزاب على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كلام منقول وفي هذه الحادثة -أي: مجيء التتار إلى الشام- تحزب هذا العدو من مغول وغيره، من أنواع الترك، ومن فرس ومستعربة، ونحوهم من أجناد المرتدة، ومن نصارى الأرمن وغيرهم، ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام والإحجام، مع قلة من بإزاءهم من المسلمين، ومقصودهم الاستيلاء على الدار واصطدام أهلها، كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين.

ودام الحصار على المسلمين عام الخندق على ما قيل: بضعاً وعشرين ليلة، وقيل: عشرين ليلة، وهذا العدو -أي: التتار- عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعاً عن حلب، لما رجع مقدمهم الأكبر " قازان " بمن معه، يوم الإثنين، حادي أو ثاني عشر جمادى الأولى، يوم دخل عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة، واجتمع بهم الداعي، وخاطبهم في هذه القضية، وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى من الاهتمام والعزم، ألقى في قلوب عدوهم الروع والانصراف.

وكان عام الخندق عام برد شديد وريح شديدة منكرة، بها صرف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب:9] وهكذا هذا العام -أي: الذي وقع فيه غزو التتار، وابن تيمية كان يتكلم واللحظات قائمة وموجودة، أي: في الحال؛ لأنه قال في آخر الكلام: كتبت هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده، لما رجعت من مصر، في جمادى الآخرة وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد إلى آخر الكلام.

يقول: وهكذا هذا العام أكثر الله تعالى فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف العادة، حتى كره أكثر الناس -أي: من المسلمين- ذلك، وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك، فإن لله فيه حكمة ورحمة، وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله به العدو، فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد، حتى هلك من خيلهم من شاء الله، وهلك منهم أيضاً من شاء الله، وظهر فيهم وفي بقية خيلهم، من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع، ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال، وحتى علموا أنهم كانوا صيداً للمسلمين لو يصطادونهم، لكن في تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة.

يقول: وقال الله تعالى في شأن الأحزاب: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب:10] وهكذا هذا العام، جاء العدو من ناحيتي علو الشام، وهو شمال الفرات وهو قبلي الفرات، فزاغت الأبصار زيغاً عظيماً، وبلغت القلوب الحناجر؛ لعظم البلاء، لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر -أي: رجوع عساكر المصريين- وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا.

قارنوا كلام ابن تيمية -أيها الإخوان- بواقعنا اليوم، سواءً من طلاب العلم أو من عامة الناس، يقول: وظن الناس بالله الظنونا، هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام، وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسراً، وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر، وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن.

مثل هذا الكلام قيل في هذا العصر لما جاء الكلام عن قضية الغازات السامة والأسلحة الكيماوية، وتوهم كثير من الناس أن هذه الأشياء تتلف الأرض وتهلكها، وما بقيت تسكن بعد اليوم، نفس الكلام قاله السابقون في القرن السادس، والسابع لما جاء التتر إلى دمشق.

يقول ابن تيمية: وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن، ولا بقيت تقوم تحت مملكة الإسلام، وهذا يظن أنهم يأخذونها، ثم يذهبون إلى مصر، فيستولون عليها فلا يقف قدامهم أحد، سبحان الله! أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، تصور من الناس من تصور أن التتار سيل كاسح، سوف يجتاح الشام، وإذا انتهى منها انتقل إلى مصر، فلا يقف قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها، وهذا إذا أحسن ظنه، قال: إنهم يملكونها هذا العام، كما ملكوها عام هولاكو، سنة سبع وخمسين، ثم قد يخرج العسكر من مصر، فيستنقذها منهم كما خرج ذلك العام، وهذا ظن خيارهم.

وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية، وأهل التحديد والمبشرات، أماني كاذبة وخرافات لاغية، وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع، حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب، ليس له عقل يتفهم ولا لسان يتكلم.

وهذا قد تعارضت عنده الأمارات، وتقابلت عنده الإرادات، لاسيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب، ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب، ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء، بل إما أن يكون جاهلاً بها وقد سمعها سماع العبر، ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية، ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ.

فلذلك استولت الحيرة على من كان متسماً بالاهتداء، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب:11] .

ثم تكلم عن المنافقين وظهورهم إلى آخر ما قال، كلام أنا لا أريد أن آخذ وقتكم بقراءته، لكنني أريد أن أقول بعد ما قرأت عليكم شيئاً منه، أن تطبقوا هذا الكلام على واقعنا، وظنوننا ومخاوفنا، والأشياء التي تعجلنا فيها في هذا الواقع، وظنون خاصتنا وعامتنا في هذا المجال، ثم أنصحكم أن ترجعوا إلى ذلك الكلام وتقرءوه قراءةً متأنية فاحصة، فإنه كلام طويل مفيد.

يقول في بعضه ص (425) يقول:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015