الأدلة الرابعة أوالقسم الرابع: الأدلة الواقعية، وتشمل نوعين: أ/ انهيار الحضارة المادية الغربية: النوع الأول: انهيار الحضارة المادية الغربية، بشقيها الشرقي والغربي، فأما الشرقي أعني الشيوعية، فقد أعلنت إفلاسها وبدأت تتهاوى وكأنها عقد انفرط نظامه، والكلام في موضوع انهيار الشيوعية كلام يطول، ولكنه مشهور معروف.
أما الشق الغربي، فهناك دراسات كثيرة عن الجوع الروحي، والإفلاس الأخلاقي، وارتفاع نسب الانتحار، والجرائم في أرقى بلاد العالم وأكثرها تقدماً.
هناك كتب كثيرة، هناك -مثلاً- كتاب "أمريكا كما رأيتها" لـ محمود المسلاتي، هناك: أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب لـ صلاح الخالدي، هناك: الإنسان ذلك المجهول لـ كيسكاريل، هناك كتب كثيرة جداً، تتكلم عن انهيار الحضارة الغربية.
يكفينا قول ماكينل، أحد المفكرين الغرب، يقول: إن الحضارة الغربية في الطور الأخير من أطوار حياتها، أشبه بالوحش الذي بلغت شراسته النهاية في انتهاكه لكل ما هو معنوي، وبلغ اعتداؤه على تراث السلف، وعلى كل مقدس محرم قمته، ثم أغاص مخالبه في أمعائه، فانتزعها وأخذ يمزقها ويلوكها بين فكيه، بمنتهى الغيظ والتشفي.
أي أن: الغرب دمر العالم، ثم رجع إلى نفسه فبدأ يدمرها.
من مصائب الفراغ الروحي في الغرب ما يلي: أولاً: الولوغ في المشروبات الكحولية.
ثانياً: الإدمان على المخدرات.
ثالثاً: الأمراض العصبية والعقلية.
رابعاً: التمرد والقلق والتدمير.
خامساً: الجرائم.
سادساً: السعار الجنسي وأمراض الجنس.
سابعاً: الانتحار.
وإليك بعض الأرقام الخفيفة: في أمريكا في الأربعينيات، عدد مدمني الخمر سنوياً اثنين وأربعين مليوناً.
ثانياً: الذين يتعاطون المخدرات سنة 75م، (19%) من الأمريكان، لكن في سنة 78م، بعد ثلاث سنوات فقط ارتفعت النسبة إلى (49%) ، فما بالك بالعدد الآن! أشك أنه يوجد في أمريكا من لا يتعاطى المخدرات، اللهم إلا العدد القليل.
ثالثاً: عدد المرضى في مستشفيات الأمراض العقلية، أي: شبه جنون، أو أمراض نفسية أو عقلية في الولايات المتحدة الأمريكية، سبعمائة وخمسين ألفاً، وهذه مصحات خاصة بهم، ومع ذلك فهم يشغلون (55%) من أسرة المستشفيات الأخرى.
رابعاً: عدد من أعفتهم القوات المسلحة الأمريكية في الحرب الثانية، بسبب الاضطرابات النفسية والعقلية، (43%) من المجموع الذي تساوي 980 ألف جندي، وعدد من رفضوا الامتحان لاختبار الخدمة العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية، 860 ألفاً.
خامساً: تقول دائرة المعارف البريطانية: أن في الأربعينيات، كان (90%) من الشباب الأمريكي مصاب بمرض الزهري، (60%) مصاب بمرض السيلان، و (40%) مصاب بالبرود الجنسي.
سادساً: صرح كندي -وهو زعيم أمريكي معروف سنة 1962م- أن (85%) من الشباب الذين يتقدمون للجندية في أمريكا غير صالحين لذلك، لأن الشهوات التي غرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية.
ولذلك نقول: إن مستقبل أمريكا في خطر، لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات، الأمر الذي سيجعلهم عاجزين عن القيام بالمهمات الملقاة على عواتقهم.
انظر كتاب الثورة الجنسية، وكتب كثيرة.
هذا جانب لا أطيل فيه، جانب فشل الحضارة الغربية، وقد أصبح الغرب نفسه يعترف بذلك ويؤمن به.
ب/ الصحوة الإسلامية: الجانب الثاني: الذي يدل على أن الإسلام قادم من الواقع، هو جانب الصحوة الإسلامية.
إن سحر الحضارة الغربية لم يعد يبهر الأبصار، ويأخذ بالألباب، كما كان في الماضي، فلقد تفتحت عيون الشباب على نور الإسلام، وبطل السحر والساحر.
إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر جاء نهر الله فبطل نهر معقل، وانكشفت الحقائق، وعاد شباب الجيل إلى الله عز وجل وهم يقولون: آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون.
يقول الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، في كتاب له اسمه: الإسلام ومستقبل البشرية، يقول: كنت في القاهرة أيام إعدادي رسالتي للدكتوراه عام 1971م -أعتذر عن التقويم الميلادي إذا ذكرته، لأنه ما يكون عندي إلا الميلادي- يقول: كنت في القاهرة في ذلك العام 1971م، وكان في جامعة القاهرة 120 ألف طالب، -أي: طالب وطالبة، لأنها جامعة مختلطة- يقول: وكانت طالبة واحدة فقط هي المتحجبة، -وهو حجاب غير كامل، لا تغطي وجهها، لكن تغطي شعر رأسها وبقية بدنها- يقول: واليوم العدد يفوق خمسة عشر ألفاً من الطالبات المحجبات، ويوجد من بينهن مجموعات يغطين حتى وجوههن، وقل مثل ذلك في جامعة الإسكندرية، وأسيوط وغيرهما.
مثال آخر أو جانب آخر: الكتاب الإسلامي أكثر الكتب رواجاً، حتى أن تجّار الكتب في بيروت إذا أشرف أحدهم على الإفلاس، يقول له زملاؤه: اطبع لك كمية من كتاب: تفسير سيد قطب في ظلال القرآن، يرفع المال الموجود عندك وليس المقصود فقط الظلال، الكتاب الإسلامي، كتاب الحديث، التفسير، التاريخ، التوحيد، العقائد، الكتب الإسلامية هي أكثر الكتب رواجاً، ولذلك غيرت كثير من المكتبات معروضاتها من كتب أدبية، وتاريخية، وعلمية وغير ذلك، إلى كتب إسلامية.
مكة أصبحت قبلة الشباب، ليس فقط في الصلاة، بل حتى في العمرة والحج والزيارات وغيرها، ومن ذهب إلى الحرم في المواسم والمناسبات، تعجب من هذه الزهرات المتفتحة التي أصبحت لا يحصى عددها، ممن أقبلوا على الله عز وجل وقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)) [الكهف:14] .
التحول في الأحزاب العلمانية، والقومية، واليسارية، كلنا نعلم كثيراً من الشباب مر عليهم وقت من الأوقات، تأثروا فيه بالدعوات الناصرية، والقومية، والبعثية وغيرها، وقرءوا لـ طه حسين، وسلامة موسى، وأمثالهم من المفكرين المنحرفين الضالين، واليوم عاد هؤلاء الشباب، أو كثيرٌ منهم إلى الله عز وجل وأصبحوا من رواد المساجد، أطلقوا لحاهم، وصاروا يقرءون الكتب الإسلامية، ويصلون مع الجماعة، ويحافظون على الدين، وتجد مع الواحد منهم مسواكاً في جيبه، وقد تجده يصلي في روضة المسجد، ويحافظ حتى على صلاة الفجر، وتأتي إلى بيته فربما لا تجد فيه تلفازاً، وكان لهم تاريخ كما ذكرت.
فعاد الناس إلى الله، وأعلن كثير من أصحاب الأفكار، والمبادئ المنحرفة إفلاسهم، حتى في مجال الصحافة، والكلام في هذا أيضاً يطول.
الشعائر التعبدية انتشرت، الصلاة -مثلاً- تجد وأنت ذاهب في الطريق إلى الرياض، كل مسافة أمتار -إذا كان وقت صلاة- تجد مجموعة قد وقفوا يصلون على جانب الطريق، اللحية أصبحت أمراً عادياً مألوفاً، على أنها كانت مستغربة في كثير من البيئات.
عزل النساء عن الرجال، ومنع الاختلاط في المدارس، والجامعات والأسواق وغيرها، أصبح ظاهرة طبيعية الآن.
ترك التدخين -مثلاً- والامتناع عن تقديم السجائر والطفايات وغيرها، مراعاة الأكل الحلال سواءً بالذبح على الطريقة الإسلامية، أو تجنب الخنزير، أو تجنب الأشياء التي يكون فيها مشتقات محرمة، انتشار الشريط الإسلامي، كثرة المساجد وروادها إلى غير ذلك.
الإسلام أصبح يعرض الآن بقوة وشجاعة، ليس مثلما كان في الماضي، فقد كان الواحد يتكلم عن الإسلام على حياء، ويحاول إيقاف بعض الأمور، أما الآن فالناس أصبحت تتكلم عن الإسلام بقوة وشجاعة ووضوح، ولا تستحي من هذا الدين، بل تعرضه بغاية الشجاعة والقوة.