وقال السمعاني – أيضاً – رحمه الله تعالى –: إن الله – تبارك وتعالى – أسس دينه وبناه على الاتباع، وقبوله بالعقل، فمن الدين معقول وغير معقول، والاتباع في جميعه واجب، ومن أهل السنة من قال بلفظ آخر فقال: إن الله – جل وعلا – لا يعرف بالعقل، ولا يعرف مع عدم العقل، ومعنى هذا: أن الله – تبارك وتعالى – هو الذي يُعَّرف العَبْدَ ذاتَهُ، فيعرف الله بالله لا بغيره، لقوله – عز وجل –: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} القصص56، ولم يقل: ولكن العقل والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله – جل ثناؤه – هو المُعَّرفُ إلا أنه إنما يُعِّرفُ العَبْدَ نَفْسَهُ مع وجود العقل، لأنه سبب الإدراك والتميز، لا مع عدمه، ونظير هذا أن الولد لا يكون مع فقد الوطء، ولا يكون بالوطء، بل يكون بإنشاء الله – تبارك وتعالى – وخلقه.

وقال بعض أهل المعرفة: إنما أعطينا العقل لإقامة العبودية، لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية، ولم يدرك الربوبية، ومعنى قولنا: أعطينا العقل لإقامة العبودية: أنه آلة التمييز بين القبيح والحسن، والسنة والبدعة، والرياء والإخلاص ولولاه لم يكن تكليف، ولا توجه أمر ولا نهى، فإذا استعمله الإنسان على قدره ولم يجاوز به حده أداه ذلك إلى العبادة الخالصة، والثبات على السنة، واستعمال المستحسنات وترك المستقبحات.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015